الشركس في لبنان.. امتداد إقليمي من برقايل شمال لبنان

يعرف كل من يحمل على هويته شهرة (عبدالرزاق) أو (ملحم) في بلدة برقايل العكارية أنه من أصول شركسية، لكن من يعرف عن الشركس الكثير أو من يستطيع التحدّث بلغتهم فهم قلّة وربما لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة.

يتواجد الشركس بشكل أساسي في عكّار في بلدة برقايل وتحديداً عائلتا عبدالرزاق وملحم اللتان ثَبُتَ بالنَسب أنهما من الشراكسة استناداً إلى وثيقة رسمية بذلك. كما أن هناك حديثاً بالتواتر بأن عائلتي حبلص وعبيد من برقايل أيضاً لديهما أصول شركسية لم يثبت نسبهما كعائلتين شركسيتين بالكامل حتى الآن. وعائلتا عبدالرزاق وملحم، وهما من كبريات العائلات في برقايل، تتمسكان بأصولهما الشركسية وتفتخران بها رغم عدم اتقانهما اللغة الشركسية وصعوبة التواصل بينهما وبين شراكسة العالم، لأسباب عديدة.

ويعود وصول الشركس إلى عكار وتحديداً إلى بلدة برقايل لنحو العام 1754 في أيام السلطان محمود من دولة أبخازيا (أديغيا). وينحدر آل عبدالرزاق من قبيلة “شابسغ” وأساسها من روسيا وتعني الفرسان ذوي البنية القوية، وجدّهم الأصلي يدعى “ميرزا” ويطلق عليه اسم “ياورا” أي رئيس الحرس عند السلطان سليم. وتقول الروايات: أن الشركس خاضوا حروباً مع روسيا أدت إلى إبادة الكثير منهم وأن الأتراك بالنسبة إليهم هم أبناء العمومة، وعندما أصرّ السلطان سليم على قتالهم في معركة مرج دابق، إنهزموا وسلموا الراية للأتراك لأن الكثير منهم رفض قتال الأتراك بفعل القرابة.

شركس برقايل

يقال إن عائلة (آل بولاد) في ببنين من أصول شركسية. وآل عبدالرزاق في برقايل يمتازون بالقوة والصلابة وهي صفات لدى الشركس تاريخياً بسبب قساوة الظروف والطبيعة التي عاشوا فيها.

في مكتب رئيس الهيئة الشركسية في لبنان الشيخ رياض عبدالرزاق في برقايل، الوثيقة التي تثبت أصول العائلة للشركس. كما أن مكتبه يحتوي على الكثير من الصور ومنها صور مع رئيس الحكومة الأبخازية ووزير العائدين ومسؤولين آخرين.

يقول الشيخ رياض عبدالرزاق لـ”نداء الوطن”: “نحن شركس برقايل نحاول دائماً أن نتواصل مع شركس طرابلس وبيروت والبقاع وكل المناطق اللبنانية وحتى خارج لبنان، من أجل بناء إطار تنظيمي لكل شركس العالم. الهيئة هي أداة التواصل مع الشركس في العالم رغم الصعوبات المادية واللوجستية حيال ذلك. ونحن عضو في الجمعية الشركسية العالمية بهدف تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي معهم”.

أضاف: “بتقديراتنا أن عدد الشراكسة في لبنان نحو 100 ألف. هناك شراكسة وليس معهم مستند يؤكد ذلك. فمثلاً عائلة جركس في بيروت لديها الأصول الشركسية ومع ذلك ليس لديها مستند بذلك. نحن كآل عبدالرزاق لدينا مستند مكتوب في كتاب وُجد لدى البروفسور عادل عبدالسلام وفيه مخطوط يؤكد نسب العائلة الشركسي”.

واعتبر أن “الشركس في البلدان العربية مثل لبنان وسوريا والأردن، إلى الآن لم يتأقلموا كثيراً لدى المجتمعات التي عاشوا فيها لأنهم أقلية فبذلك يحافظون على هويتهم. فمثلاً شركس سوريا لا يستقبلون أشخاصاً من غير الشركس في أعراسهم ومناسباتهم. وهم موجودون في قرى عين النسر والعسيلي القريبة من حمص ودير فول وغيرها. وهناك زيارات بيننا وبينهم بقصد التعرف على شركس لبنان وشركس برقايل”.

وشدد على أنه “من صفات الشركس الشجاعة وعدم التفريط ببلادهم. فمثلاً عندما دخلت أميركا إلى العراق هرع شباب من آل عبدالرزاق في برقايل للدفاع عن العراق والبعض منهم توفي والبعض الآخر فقد رجله أو يده في القتال. نحن هنا في برقايل عندنا الولاء الوطني ولدينا قيم ونرفض الظلم ونقف مع المظلوم وكلها عادات وصفات اكتسبناها من أصولنا الشركسية، ونسعى إلى الحفاظ على هويتنا التاريخية. نعم هناك شبه بين الشركس فنحن نعرف بعضنا من الطلة. ويمكنك أن تلاحظ أن آل عبدالرزاق يشبهون بعضهم إلى حد كبير ولديهم الصفات الشركسية ويمتازون بالبنية القوية”.

وعن أهمية الهيئة الشركسية يقول: “عندما أختم لأي شخص بأنه شركسي يذهب إلى أبخازيا لمدة أسبوعين وهناك في وزارة العائدين يتم تجنيسه. وعندما يتجنّس الشخص يستطيع أن يتعلّم في جامعات دول الإتحاد الروسي مجاناً. وقد أبلغنا المركز الثقافي الروسي أنه اعتمد الهيئة لأكثر من 300 جامعة وهذه امتيازات خاصة للشراكسة. وهناك 8 من شركس برقايل لحد الآن قد تجنسوا وهناك آخرون على الطريق لكن الأمر بحاجة إلى بعض المصاريف وأوضاع البعض الاقتصادية تحول دون إتمام هذه العملية”. ويختم: “الشركس في لبنان يتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية وقد يأتي اليوم الذي نطالب فيه بحصّتنا في التمثيل السياسي البرلماني والحكومي”.

زوّار وشهادات

أما السيد طارق الحسن العبدالرزاق إبن برقايل أيضاً والذي زار شركس سوريا مرات عدة وزاروه في منزله في “برقايل” يقول لـ “نداء الوطن”: “إن مسجد برقايل القديم مسجّل في الأوقاف باسم مسجد ميرزا جد آل عبدالرزاق وملحم الشراكسة”، مشيراً إلى أن “غالبية شراكسة سوريا الذين زرتهم يشبهون آل عبدالرزاق في الشكل والطبائع. رأيت أشخاصاً يشبهون رجالاً هنا في برقايل وكأنهم هم تماماً. أكثر من 80 % من الشراكسة هناك يمتازون بالبشرة الشقراء والعيون الخضر وهذه الصفات البشرية الموجودة لدى كثيرين من أبنائنا في آل عبدالرزاق”.

وتابع: “من خلال زياراتي المتكررة إلى شراكسة سوريا استطعت تعلّم اللغة الشركسية وهي لغة صعبة ومعقّدة لكن ما جعلني أتعلمها هو أنهم لا يتحدثون في ما بينهم إلا بهذه اللغة. تعلمت منها الكثير ولكن مشافهة وليس كتابة واليوم وبعد انقطاعي عن التواصل معهم منذ العام 2004 وعدم التحدث باللغة الشركسية فإنني نسيت الكثير منها. لكنني ما زلت أستطيع تعليم مبادئها للأطفال. هناك معلومة سأقولها لك، ففي آخر زيارة لي إلى قرية العسيلي قال لي والد الشخص الذي كنت في زيارته: أنت من برقايل؟ قلت له نعم. فنادى على امرأة عجوز جاءت وسألتني: تعرف آل عبيد في برقايل؟ فقلت لها نعم. فقالت لي: هؤلاء هم شركس أيضاً وعندما جئنا نحن إلى سوريا كان يأتي العرب ويغيروا علينا فقام أحد الأشخاص ويدعى عبيدات فقتل 5 من العرب وفرّ بعدها إلى لبنان واستوطن قرية إسمها برقايل”.

ما زال طارق الحسن يحتفظ بالدفتر الذي كان يدوّن عليه الكلمات الشركسية ويحفظها وقد اهترأ بمرور الزمن. أما الشيخ رياض ففي منزله يحتفظ بالوثيقة التي تثبت نسب العائلة الشركسي وآلة حربية تشبه الخنجر تسمى الشركسية كان يحملها المحارب، وأخرى يحتفظ بها كل شركسي من أجل شرب الماء والعديد من الصور التاريخية الشركسية أو الصور الحديثة مع مسؤولين من أبخازيا إضافة إلى العلم الشركسي وأعلام الدول الشركسية. يحتفظ آل عبدالرزاق بنسبهم الشركسي لكنهم يفتقدون اللغة والتواصل.

مايز عبيد – نداء الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English