أزمة الاستثمارات في أميركا والعالم.. بقلم د. عماد عكوش

للولايات المتحدة الأميركية تاريخ مع الإستثمارات الأجنبية ولطالما تباهت بأنه الوجهة الأكبر لهذه الإستثمارات والناتجة عن الإستقرار السياسي الذي تمنحه ، والحوافز الكبيرة التي تقدمها ، إضافة الى ارتفاع العوائد والتي يرمتها سوق كبير قابل للتطور والارتفاع .

في عام 1971 كان حجم الاستثمار الأجنبي يبلغ حوالي 0.1 بالمئة من حجم الناتج القومي الأميركي ، ثم تطورت هذه النسبة لتبلغ 0.8 بالمئة عام 1981 ، ثم تراجعت عام 1985 لتبلغ 0.25 بالمئة ، لتعود وتعاود الإرتفاع منذ العام 1992 وخاصة بعد الغزو الأميركي للعراق لتصل عام 2000 الى نسبة 3.4 بالمئة من حجم الإقتصاد الأميركي ومنذ العام 2000 لغاية العام 2020 بلغت الاستثمارات الاجنبية على الشكل التالي:

العام مليار دولار

2000 340

2005 143

2010 269

2015 510

2019 257

2020 209

في الظاهر من الارقام يبدو الواقع مقبول ولكن إذا ما قيست مع حجم الناتج القومي فهناك تراجعات كبيرة ، بدأت التراجعات في الاستثمارات منذ العام 2006 مع بداية العقوبات الكبيرة على ايران وإعادة تأكيدها عام 2018 أيام الرئيس ترامب وخروجه من الاتفاقية التي كانت أبرمتها الولايات المتحدة معها عام 2015 كما فرض عقوبات على دول أخرى مثل الصين لاسباب سياسية واقتصادية ، والذي زرع الخوف في قلوب المستثمرين من وضع اليد على الاستثمارات الاجنبية من قبل الحكومة الاميركية أو تجميدها.

هذه التصرفات من قبل الولايات المتحدة الاميركية زرعت الخوف في قلوب معظم المستثمرين الاجانب وخاصة هؤلاء الذين يحملون جنسيات لا تتماهى سياسة دولهم مع سياسة الولايات المتحدة ، مما دفع البعض الى عدم ضخ مزيد من هذه الاستثمارات من جهة ومحاولة الخروج من هذه السوق من جهة ثانية.

حماية الإستثمارات دوليًا :

تعتبر الاستثمارات الأجنبية من أحد ركائز الاقتصاد لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولذلك ركزت معظم التشريعات على حماية حقوق المتعامل الأجنبي ، بحيث يوفر له الحماية المالية ليتمتع بحق الملكية بكل أصنافها العقارية وحرية تحويل رؤوس الأموال إلى الخارج ، إضافة إلى الحماية القانونية التي هي مناخ الاستثمار، فيستفيد من المعاملة العادلة والمنصفة واللجوء إلى التحكیم التجاري الدولي لحل النزاعات الناشئة بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة. على غرار كل المجهودات و التحفيزات في النصوص القانونية المبذولة فإنها غير كافية ، ونرى أنعكاساتها اليوم من خلال العقوبات التي تقوم بفرضها بعض الدول على دول أخرى أو على أشخاص ومؤسسات ، ولأن المستثمر الأجنبي يواجه العديد من الصعوبات والعراقيل من الاستفادة من هذه القوانين مما يدفع الأمر إلى عدم الفعالية.

ولقد مرت هذه الحماية بعدة مراحل عبر التاريخ وعلى الشكل التالي :

1. القرن التاسع عشر: الحماية تتم من خلال القانون الداخلي للدولة المضيفة للاستثمار.

2. الثورة السوفيياتية: حماية القانون الداخلي غير كافية.

3. الصراع ما بين الدول الصناعية والدول النامية وبروز فكرة السيادة على الثروات الطبيعية واختيار الدول النامية للجمعية العامة للأمم المتحدة كوسيلة لفرض مصالحهم. صدر قرار 1803 عن الجمعية العامـة سنة 1962 وجاء كتسوية بين موقف الدول النامية والدول الصناعيـة ونص على ضرورة التعويض الملائم في حالـة الاستملاك.

4. 1962: فشل مشروع الـ OECD لإبرام معاهدة دولية متعددة الأطراف لحماية الاستثمارات.

5. 1965: معاهدة واشنطن كبديل عن معاهدة دولية متعددة الأطراف لحماية الإستثمار. الإجراءات قبل القواعد المادية التي من شأنها حماية الإستثمارات.

اليوم هناك 148 دولة موقعة على معاهدة واشنطن ، لكن للأسف لم يتم الالتزام بهذه الاتفاقية من الولايات المتحدة الاميركية نفسها .

توقعات بما سيحصل لهذه الاستثمارات الاجنبية في ظل الازمات الحالية :

منذ بداية العام تحاصر أسواق المال العالمية أربع أزمات رئيسية وهذه الأزمات هي الحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها الخطيرة ، ومخاطر التضخم على العائد الاستثماري ، وارتفاع سعر صرف الدولار وتداعياته على الاقتصادات الناشئة ، وأخطار ركود الاقتصادات الكبرى وفي مقدمتها الاقتصاد الأميركي .

وحتى الآن ارتفع سعر صرف الدولار إلى أعلى مستوياته وبات يشكل تهديدا للأسواق الناشئة وعملاتها وانكماش النمو الاقتصادي في الصين . ومنذ بداية العام ارتفعت العملة الاميركية بنسبة 10% حسب مؤشر “دي أكس واي” العالمي لقياس قيمة العملات الرئيسية، كما ارتفع بنسبة 16% خلال الـ12 شهرًا المنصرمة، وهو ما يعني أعلى معدل ارتفاع منذ 20 عامًا.

إضافة الى ذلك ، فأن منطقة اليورو تتجه نحو الركود الاقتصادي بسبب الحرب الأوكرانية وتداعياتها على أسعار الطاقة وضعف عملة اليورو . كما أن الحرب الأوكرانية جعلت من القارة العجوز منطقة خطرة للمستثمرين، حيث تسيطر حالة من عدم اليقين بين المستثمرين حول المدة التي ستأخذها الحرب ، وكيف يمكن لساسة القارة معالجة آثارها المدمرة بعد توقفها . ومع استمرار الازمة الاؤكرانية ، ربما سيرتفع حجم الاستثمارات الهاربة من شرقي أوروبا . ولا يستبعد محللون أن يفرخ هذا الهروب الاستثماري مجموعة من التحديات في أوروبا تمتد من نقص التمويل الإنفاقي وتصل إلى البطالة وارتفاع التيارات اليمنية المتطرفة .

وبالتالي فإن العديد من الدول ربما ستواجه إفلاسات أو عدم قدرة على سداد أقساط الديون خلال العام الحالي أو المقبل في حال استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا . وحتى الآن رفعت هذه الازمة أسعار الغذاء والمشتقات البترولية من أزمات المال والاقتصاد في عدة دول يصنفها صندوق النقد الدولي بأنها ضعيفة اقتصاديًا وتقع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية . وحسب تقييم صندوق النقد الدولي، فإن هنالك العديد من الدول التي تواجه أزمات مالية وغذائية ونقصًا في الطاقة.

ويجري صندوق النقد محادثات لمساعدة اقتصادات كل من مصر وتونس وباكستان ودول في أميركا اللاتينية على أمل مساعدتها على تخطي أخطار تفاعلات غلاء أسعار الطاقة التي باتت تهدد مستقبل الاستقرار السياسي . وبلغ التضخم في الولايات المتحدة أعلى مستوى له منذ 40 عامًا في وقت سابق من العام ليسجل في مارس/آذار الماضي ، 6.6%، وتعهد باول بمواصلة رفع سعر الفائدة قصير الأجل الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي لتهدئة الاقتصاد حتى ينخفض التضخم بطريقة واضحة ومقنعة .

كل هذه الوقائع والاحداث ربما تكون مقدمة الى أزمة عالمية تكون نتيجتها أنهيار كامل للاقتصاد العالمي وخاصة الاقتصاد الأميركي الذي سيشهد مزيد من التضخم ومزيد من هروب الرساميل ، فهل سيستطيع الأميركي مواجهة هذه المخاطر .

المصدر: الملف الاستراتيجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English