معادلة الردّ.. هل المنطقة أمام سيناريو الحرب؟

في قراءة تحليلية للضربة الصاروخية على أربيل، يظهر أنَّ إيران اتخذت موقف الرد الحازم على أيّ مغامرة قد تقوم بها “إسرائيل” في المستقبل القريب أو على المدى المتوسط.

معادلة الردّ.. هل المنطقة أمام سيناريو الحرب؟

أعلن حرس الثورة الإيرانية مسؤوليته، يوم الأحد 13-3-2022، عن الهجوم الصاروخي الذي استهدف عاصمة إقليم كردستان العراق، مدينة أربيل، قائلاً إن “القصف طال موقعاً تابعاً لإسرائيل”. وذكر في بيان صادر عن مركز العلاقات العامة التابع له اليوم، وأوردته “روسيا اليوم”، أنه “شنَّ ضربات بصواريخ قوية ودقيقة على المركز الاستراتيجي للتآمر وجرائم الصهاينة في أربيل”. 

وقد أتت الضربة الإيرانية بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة في الأراضي السورية، والتي أدّت إلى مقتل ضابطين من حرس الثورة، إضافةً إلى أنشطة “إسرائيل” المتزايدة استخباراتياً وعدائياً. 

في قراءة تحليلية للضربة الصاروخية على أربيل، يظهر أنَّ إيران اتخذت موقف الرد الحازم على أيّ مغامرة قد تقوم بها “إسرائيل” في المستقبل القريب أو على المدى المتوسط، وخصوصاً أنّ الأوساط في “إسرائيل” بدأت تتحدث عن ضربة محتملة قد تشنها طائراتها على المواقع النووية في إيران، بعد الحديث عن فشل المفاوضات حول ملف إيران النووي في فيينا. 

إنها رسالة صاروخية أكثر من واضحة إلى الجانب الإسرائيلي بتوقيع حرس الثورة، تؤكد الجهوزية التامة لأيّ حرب محتملة قد تبدأها “إسرائيل”، وأن الردّ سيكون أكثر مما يتوقّعه العدو، وأنَّ إيران قادرة على إلحاق الهزيمة به، إذ إنّ الضربة الصاروخية تظهر مدى قوة الرد وحزمه. هذا ما أكّدته مصادر موثوقة للميادين، إذ قالت إنَّ “المقر الأمني الاستخباري الإسرائيلي الذي استهدفه حرس الثورة هو مركز عمليات رئيسي”، وأشارت إلى أنّ المقر ذاته كان مسؤولاً عن عملية استخبارية وعدوانية ضد إيران.

تدور الحرب الإيرانية – الإسرائيلية في فلك الحرب الوجودية، إذ استطاعت الجمهورية الإسلامية بعد ثورتها منذ العام 1979 إلى اليوم النجاح في تضييق الخناق على الإسرائيلي، عبر دعمها حركات المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق من جهة، وتطوير منظومتها العسكرية، وتحديداً الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة، التي باتت تؤرق مضاجع العدو، من جهة ثانية، وهو ما دفع الكثير من المحللين العسكريين والسياسيين لدى العدو إلى التعبير عن اقتراب النهاية المنتظرة للكيان لأول مرة منذ تأسيسه في العام 1947.

لا تخفي “إسرائيل” خوفها من أن تمتلك إيران القنبلة النووية، فهذا ما سيشكّل قوة ردع لديها. وفي المقابل، سيسبب الرعب في صفوف المستوطنين الصهاينة، الأمر الذي يجعلهم يفقدون الثقة بقوة “جيشهم” لحماية أمنهم. فقدان الثقة هذا قد يدفعهم إلى الهجرة العكسية من فلسطين، الأمر الذي يضع الكيان أمام تهديد ديموغرافي جديد. 

صحيح أنَّ إيران تلقَّت الكثير من الضربات في سوريا، إضافةً إلى قيام العدو بعمليات اغتيال متكررة لشخصيات مهمة إيرانية في مختلف الميادين والمجالات، ولا سيما العسكرية والنووية، إلا أنّ الردّ الصاروخي أتى على وقع تعطيل مفاوضات فيينا وتجميد المفاوضات الإيرانية السعودية.

 لهذا، كثرت التكهنات التي اعتبرت أنَّ العملية الأخيرة شكلت مفاجأة غير متوقعة في الرد. وهنا، يطرح السؤال: هل أتت الضربة الإيرانية لتغطي الأحداث القائمة في أوكرانيا والعملية العسكرية الخاصة التي تقودها حليفتها روسيا؟

يقول الباحث الزائر في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، خبير المجلس الروسي للشؤون الدولية، أنطون مارداسوف، لـ”نيزافيسيما غازيتا”: “حكاية أنَّ إيران انضمَّت معنوياً إلى العملية الروسية في أوكرانيا أقرب إلى نظرية المؤامرة… أعتقد أن الصين وإيران تنظران إلى العملية الروسية بشكل أساسي في سياق الإنذار النهائي لشمال الأطلسي”.

لهذا، من لا يعرف البراغماتية الإيرانية لن يدرك مدى جدية الرد الإيراني على الاعتداءات المتكررة من الجانب الإسرائيلي على مصالح إيران في المنطقة. كما أنَّه لن يدرك حقيقة التهديدات المستمرة بضرب المنشآت النووية في حال تعطّلت المفاوضات. وأيضاً، قد يكون جاهلاً في قراءة مدى استقلال إيران السيادي وسيادتها. هذا ما أكّده المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، في مؤتمره السبت 12-3-2022، إذ شدَّد على رفض إيران أن يقرر عنها في مفاوضاتها أيٌّ كان، فهو قرار يخصّ الجمهورية الإسلامية وحدها.

ولو أرادت إيران أن تحجب النظر العالمي بعملية عسكرية دعماً لحليفها الروسي، لكانت قد أوكلت ذلك إلى أحد حلفائها في المنطقة، لأنه قد يكون ضرباً من التهوّر، وهي اليوم أكثر ما تحتاج إلى تغليب الدبلوماسية في مفاوضاتها مع الأميركي لرفع العقوبات عن بلادها.

إنَّ الردّ الإيراني شكل صدمة غير منتظرة للجانب الإسرائيلي والرأي العام الأميركي والدولي بشكل عام. لذلك، أصبح من المؤكّد أنَّ الإسرائيلي في موقف محرج. وإذا أقدم على الردّ انتقاماً للضربة، فهو يثبت صحّة ما ذكره حرس الثورة من ضرب مقارّ للاستخبارات الإسرائيلية، ويضع بيان جهاز مكافحة إقليم كردستان عن عدم وجود مقارّ كهذه موضع الشكّ. أما إذا اختارت “إسرائيل” الردّ، كي لا تفقد ثقة مستوطنيها بقدرة “جيشها” على الرد والحماية، فلن تختار الرد في الداخل الإيراني، ويمكن توقع عملية خاصة إسرائيلية ضد إيران في المستقبل القريب.

أخيراً، استطاعت إيران، بفضل سياستها وحكمتها في التعاطي مع كل الملفات والقضايا في المنطقة، أن تجعل من نفسها لاعبة إقليمية وحليفاً وشريكاً دولياً في عالم بات نظامه متأرجحاً وقابلاً للتغير. هذا ما يجيب عن إشكالية طرح حرب واسعة في المنطقة باستبعاد حدوثها، بعد أن أثبتت إيران مراراً جهوزيتها لكل الاحتمالات التي قد تحدث، وفي أكثر من منطقة.

المصدر: موقع الميادين
الكاتب جيرار ديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English