السعودية والولايات المتحدة.. “تحالف غامض ومواجهة مخفية”.. كتب محمود حمصي

كنا قد ذكرنا في مقال سابق عن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية القادمة مع الدول الاقليمية وقد سلطنا الضوء على التوتر القادم مع السعودية. ها هو الخلاف يظهر من الخفاء الى العلن بين الولايات المتحدة الاميركية وبين المملكة العربية السعودية وبدات المصادر لا تخفي تصاعد التوتر بين الدولتين من محور سيادة المملكة العربية السعودية وتنافسها على البقاء في ظل تقاسم النفوذ والمصالح فيما تستحوذ قضية لبنان على جزء من هذا الخلاف الحاصل ، ومع اتخاذ الامور منحا تصاعديا قد تلجأ ادارة الرئيس الاميركي لكشف بعض اوراق الضغط التي بدأت تتضح معالمها مع زيادة تعنت المملكة بفرض شروطها على الساحة الدولية.

المملكة العربية السعودية وسيادة حفظ مصالحها


اشارت مصادر اقليمية ان سياسة المملكة مع استلام الادارة الاميركية تتغير مع الايام نظرا للعديد من المواقف الاميركية المتشنجة اتجاه المملكة بالرغم من التغيير الذي حصل من تخفيف القيود عن الحريات الدينية وموضوع التمثيل السياسي بهدف منع اعطاء الزرائع للرئيس للاميركي لمهاجمة المملكة. في حين ان المملكة ترى نفسها وحيدة بالصراع الايراني بالرغم من تعويلها على الولايات المتحدة الاميركية للتصدي لايران وازرعها في المنطقة، الا ان الجانب الاميركي تجاهل مناشدات المملكة واكتفى بالمطالبة بالحل السياسي في المنطقة من ضمنهم اليمن ولبنان. من جهة اخرى، عملت المملكة على صياغة مختلفة للتغيير في الملف اللبناني لم تراها الادارة الأمريكية مناسبة. في المقابل، ناشدت الادارة الاميركية بضرورة اعادة العمل بالاتفاق النووري مع ايران والذي يشكل انتصار لايران من وجهة نظر المملكة. إضافة الى ذلك، اثارت مواقف الولايات المتحدة من حرب اليمن غيظ الحكام السعوديين بالرغم من تقديم الغالي والنفيس والكثير من التنازلات للجانب الأمريكي كان اخرها تطبيع العلاقات مع العدو الاسرائيلي لضمان حليف استراتيجي ذات تأثير دولي عميق ولكن لم يبادر اي موقف من الولايات المتحدة الاميركية بالوقوف الى جانب المملكة. كان عندها على القادة السعوديين اعادة النظر في سياسة التبعية والتوقف عن التنازلات والعمل لضمان امن المملكة منفردا، فكان القرار بالاستثمار السياسي بالملف النفط والعمل مع روسيا للاستمرار في الاتفاق القاضي بتجميد زيادة الانتاج النفطي الامر الذي ادى الى ارتفاع تدريجي في اسعار النفط. في هذا السياق، رجحت مصادر صحفية الى استمرار ارتفاع اسعار النفط طالما هناك شح في الانتاج النفطي بالنسبة للطلب، الامر الذي تراه الادارة الاميركية يمثل احراج لها، وتحمل بدورها المسؤولية كاملة الى المملكة العربية السعودية بالرغم من القرار السعودي المزدوج مع روسيا.
الولايات المتحده الامريكيه وسياسة الضغط
ترى الادارة الأمريكية ان استراتيجية العلاقة مع السعودية مبنية على سياسة المملكة في المحافظة على المصالح الاميركية كما ان انتاج المملكة النفطي يجب ان يستمر لسد حاجات السوق لمنع ارتفاع سعره وقد تتحضر الادارة الاميركية للبدء في سياسة الضغط على المملكة العربية السعودية. من بين احدى اهم أساليب الضغط في الوقت الحالي هي حرب اليمن التي دخلت عامها الثامن من دون تحقيق اي تغيير ملموس والتي قد بدأت من غير موافقة الجانب الاميركي، بالإضافة الى ملف الصحفي جمال الخاشقي الذي وعد فيه الرئيس الاميركي بمحاسبة القادة السعوديين المسؤولين عن الجريمة. ولن تكتفي الادارة الاميركية بالتنديد بل قد تلجأ لفرض عقوبات لافراد سعوديين متهمين بقضايا دعم الارهاب والى وقف بيع الاسلحة واستمرار الضغط بالشكل الذي لا يؤدي الى ازمة ديبلوماسية بين الادارة الاميركية والمملكة العربية السعودية.
من ناحية اخرى، عملت الادارة الاميركية مؤخرا على ربط المملكة بدعم الغرائز الدينية وفصائل دينية متشددة، اضافة الى ملف تقييد الحريات والافراج عن السجناء السياسيين في السعوديه. هذه القضايا قد تكون عناويين لاوراق ضغط اساسية تبني على اساسها مستقبل العلاقة بين الطرفين لثني المملكة عن اي تغيير في سياستها النفطية او التحالفية في المنطقة بصفتها الداعم الاساسي لاستقرار الموارد النفطية.
اين لبنان من التحدى السعودي الاميركي المرتقب
تسعى الادارة الاميركية الى حفظ لبنان من الفوضى في الوقت الحالي والعمل على الوصول الى انتخابات نزيهة قابلة لازاحة الطبقة السياسية بدون خسائر، في حين تعول المملكة العربية السعودية على ثورة شعبية في لبنان نتيجة الوضع الاقتصادي المذري الذي يتحمل مسؤوليته حزب الله من وجهة نظر المملكة، خاصة اذا تم وقف التحويلات الخارجية الى لبنان لمنع تعزيز قدرات حزب الله المالية، لتشكل هذه الثورة الاساس في عملية التغيير ودعمها في كافة الاشكال والوسائل المتاحة نتيجة فقدان الامل بالتغيير في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فيما تصر الولايات المتحدة الأمريكية على المحافظة على الهدوء النسبي والدعم المطلق للجيش اللبناني والحكومة الحالية ودعم وصول الغاز والطاقة ونجاح مفاوضات ترسيم الحدود والوصول الى خواتيم اجابية في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والعمل على اجراء الانتخابات التي تراها الوسيلة الديموقراطية الوحيدة للتغيير وان اي فوضى قد يسمح لحزب الله بانتهاز الفرصة للانقضاض على المصالح الأميركية في لبنان. وقد عملت السفيرة الأمريكية سابقا على طلب المساعدة المالية من المملكة لدعم المؤسسات اللبنانية الرسمية وقد رفضت المملكة تقديم اي مساعدة سواءا عسكرية او مالية في الوقت الحالي بسبب الخوف من وصول المساعدات الى حزب الله. في المقلب الاخر، عملت الادارة الاميركية على ابقاء العلاقات مفتوحة بين لبنان والسعودية وقد قوبلت بالرفض من الجانب السعودي الامر الذي اثار استياء الادارة الاميركية مؤخراً.
التحالفات السعودية : “من الغرب الى الشرق در”
ترى المملكة العربية السعودية ان الشريك الروسي اكثر ضمانة من غريمه الاميركي في حين يمارس الاثنان منهم اللعب وفق المصالح السياسية، وقد لعبت روسيا دورا اساسيا في منطقة الشرق الاوسط فاق كل التوقعات، خاصة بعد انقاذ الدولة السورية من سقوطها وتحقيق الهزيمة للمعارضة المسلحة، رغم رفضها العديد من الاغراءات المالية والاستثمارية ذات الامد الطويل مقابل تخليها عن موقفها الداعم للدولة السورية وقد اثبتت انها الحليف الاستراتيجي الذي لا يترك شركاؤه. لقد ترك انسحاب القوات الأمريكية اثرا على ثقة حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. في المقابل، ساعد المناخ السياسي السابق والحالي في تقارب وجهات النظر بين السعوديين والروس. في حين يتحمس القادة السعوديين بالشريك الروسي وقوته العسكرية والسياسية، واخذت السعودية تنسحب شيئا فشيئا من الحليف الاميركي، وقد عبرت مصادر سعودية عن استيائها من مواقف الادارة الاميركية الحالية وبدأت تسعى لإقامة علاقات استراتيجية كبرى مع روسيا. في هذا السياق، عملت روسيا مع السعودية على الابقاء على الاتفاق النفطي ليشكل احراج وضغط للرئيس بايدن ومعهم الأوروبيين، وتنظر السعودية من امكان روسيا الضغط على ايران لوقف تدخلاتها الامنية في الشؤون العربية ومن ثم كان موضوع سوريا واعادة ضبط العلاقة معها محور التعاون الروسي السعودي. تسعى السعودية من خلال علاقتها الاستراتيجية مع روسيا الى الحد من نفوذ طهران وانقرة في المنطقة خاصة بعد زيادة التنسيق التركي الايراني والذي تعتبره المملكة محطة يجب التوقف عنده نظرا لتشكيل كلا الدولتين مخططا توسعيا قد يشكل خطراً على الامن العربي كما ترى المملكة ايضا في ولاءها الكامل للادارة الاميركية خطا تدفع ثمنه في اليمن.
المصدر: الملف الإستراتيجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English