التصعيد الإيراني-الأذربيجاني.. الدوافع والتداعيات واتّجاهات المستقبل

مقدمة


في تطوُّرات لافتة ومتسارعة، تصاعدت حدَّة التوتُّر بين كُلٍّ من إيران وجارتها الشمالية أذربيجان؛ ما يُنبئ عن تطوُّرات إقليمية كبيرة. بدأ هذا التصعيد مع عرقلة أذربيجان وصول الشاحنات الإيرانية إلى أرمينيا، نهاية أغسطس 2021م، ثُم إجراؤها مناورات عسكرية مشتركة مع كُلٍّ من باكستان وتركيا في بحر قزوين تحت اسم «الإخوة الثلاثة 2021م»، في 20 سبتمبر 2021م. وعلى ما يبدو أنَّ إيران اعتبرت هذه التحرُّكات بمثابة تهديد لمصالحها الحيوية، ودعمًا لعملية تغيير مُرتقَبة للخريطة الجيوسياسية في محيطها الجغرافي، تفتح بدورها المجال أمام نفوذ أوسع لقُوى منافِسة لإيران، أبرزها تركيا وباكستان. في ظِل هذه التحدِّيات، أعلنت إيران عن إجراء مناورة عسكرية قُرب حدودها مع أذربيجان، ورغم أنَّها ادَّعت أنَّ وجودًا إسرائيليًّا في مناطق جنوب أذربيجان قرُب حدودها هو الهدف من هذه المناورات، لكن تبدو التحرُّكات الإيرانية أكثر ارتباطًا بالمشهد الجيوسياسي قيد التشكُّل في هذه المنطقة، وبالتناُفس والصراع بين كافَّة الأطراف، ولا سيّما بعد التطوُّرات على الساحة الأفغانية بعد الانسحاب الأمريكي، وقبل ذلك تحرير إقليم كاراباخ، وإعادة تموضع أذربيجان، وتحوُّلها لرقم مهمّ في حسابات القُوى الإقليمية المتنافسة والمتصارعة مع إيران. بناءً على ذلك سيتناول هذا التقدير عددًا من المحاور، هي، أوَّلًا: أبعاد المواجهة ومساراتها المتصاعدة، ثانيًا: ما وراء التصعيد الإيراني-الأذربيجاني، ثالثًا: التداعيات على إيران، رابعًا: مآلات التصعيد بين خِيارَي المواجهة والتهدئة.
أوّلًا: أبعاد المواجهة ومساراتها المتصاعدة
بدأت الأزمة بين البلدين، بعدما قرَّرت أذربيجان فرض رسوم جمركية على الشاحنات الإيرانية، التي تمُرّ عبر منطقة كاراباخ الخاضعة لسيطرتها في طريقها إلى أرمينيا. وترى أذربيجان أنَّ دخول هذه الشاحنات يتِم بشكل غير قانوني، ويتضمن عدم احترام لسيادتها، كما تؤكِّد أنَّ القانون الخاص بدفع رسوم الطرق والعبور يشمل جميع المركبات القادمة من جميع الدول الأُخرى، وليس المركبات والشاحنات الإيرانية فقط. ويبدو أنَّ أكثر ما أثار امتعاض أذربيجان من هذه المسألة، هو تحذيرها لطهران شفهيًّا، ثُم إرسالها مذكَّرات رسمية لم تستجِب لها إيران، فضلًا عمَّا ذهبت إليه باكو بأنَّ سائقي بعض الشاحنات حاولوا إخفاء هُويَّتهم باستخدام لوحات أرمينية في شاحناتهم.
بعد أزمة الشاحنات، اتّخذ المسار التصعيدي بين إيران وأذربيجان منحًى جديدًا، بعد مناورات «الإخوة الثلاثة»، التي شاركت فيها كُلٌّ من أذربيجان وتركيا وباكستان في بحر قزوين، وعبَّرت إيران عن انزعاجها من هذه المناورات.
وزعم المتحدِّث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، أنَّ الاتفاقيات بين الدول الخمس المطلَّة على بحر قزوين تنُصّ على عدم شرعية أيّ وجود عسكري على ضفَّته، أمَّا ممثِّل المرشد علي خامنئي في محافظة أردبيل المجاورة لجمهورية أذربيجان، حسن عاملي، فقد كان أوَّل من دعا للردّ على أذربيجان، بعدما نصح باكو بعدم اللعب بـِ «ذيل الأسد»، كما وجَّه دعوة مباشرة للحرس الثوري لاستعراض قوَّته أمام باكو، وهو ما حدث بالفعل، حيث لجأت إيران لحشد قوّاتها وإجراء مناورات بالأسلحة الثقيلة والمروحيات على حدودها مع أذربيجان في 19 سبتمبر 2021م.
هذا التصعيد الإيراني قابله تصعيد من رئيس أذربيجان إلهام علييف، الذي وجَّه انتقادات شديدة لطهران، واتّهمها بأَّنها أجرت هذه المناورة دون علمٍ مسبق، كما اتّهم طهران بعدم احترام سيادة بلاده، وذلك على خلفية دخول شاحنات إيرانية إلى منطقة كاراباخ الخاضعة لسيطرة أذربيجان بشكلٍ غير قانوني. ورغم أنَّ علييف أعطى الحقّ لإيران في إجراء المناورة، فإنَّه تساءل عن دلالات إجرائها في هذا التوقيت بالذات، وعن أسباب عدم إجرائها طيلة السنوات الثلاثين الماضية، والتي كانت فيها المناطق الحدودية محتلَّة من قِبَل أرمينيا؟ ليأتي الردّ الإيراني على لسان المتحدِّث باسم وزارة الخارجية سعيد خطيب زاده، الذي أكَّد أنَّ التدريبات العسكرية التي أجراها الحرس الثوري، هي جزءٌ من سيادة إيران، وادَّعى أنَّ الهدف منها هو بسط السلام والاستقرار في كُلِّ دول المنطقة، كما كشف عن أحد أهمّ أسباب التصعيد الإيراني ضدّ أذربيجان، وذلك بالقول إنَّ بلاده «لن تتسامح مع وجود النظام الصهيوني بالقُرب من حدودها، وستتّخِذ أيّ إجراء تراه ضروريًّا لأمنها». وتنظُر طهران بعين الريبة إلى العلاقات الوطيدة بين أذربيجان وإسرائيل التي ارتقت منذ سنوات إلى المستويَيْن العسكري والأمني، بالإضافة إلى العلاقات التجارية والاقتصادية وفي مجال الطاقة، وقد أطلقت على المناورات مسمَّى «فاتحو خيبر»، وهو اسم يحمل إشارة للعداء بين المسلمين واليهود.
وعلى مدى الأيّام القليلة الماضية، كرَّر مسؤولون إيرانيون رفضهم أيّ وجود لإسرائيل قُرب حدودهم، في إشارة ضمنية إلى العلاقة الوثيقة والتعاون العسكري بين باكو وتل أبيب.
 وفي هذا الصدد، أكَّد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، في مقابلة، أنَّ إيران لن تتحمَّل «أيّ حضور للكيان الصهيوني المزيَّف وتحرُّكاته الاستفزازية بالقُرب من حدودها، كما لن تتحمَّل أيّ تغيير جيوسياسي في المنطقة وفي الحدود، وهو يشكِّل خطًّا أحمر بالنسبة لنا»، فيما هدَّد قائد القوّات البرِّية الإيرانية العميد كيومرث حيدري، بأنَّ بلاده «لن تتساهل مع وجود عناصر من النظام الصهيوني في المنطقة».
لم تتوقَّف الأزمة بين إيران وأذربيجان عند هذا الحدّ، حيث رفع الرئيس إلهام علييف من حدَّة التوتُّر بين البلدين، بعدما هدَّد بإشراك قُوى دولية وإقليمية، في حال تمادت إيران في المناورات العسكرية التي تجريها قُرب الحدود الأذربيجانية.
هذه التصريحات الأخيرة قادت المرشد علي خامنئي للدخول على خطّ الأزمة، وذلك بتوجيه رسائل غير مباشرة إلى أذربيجان، بالقول إنَّ الدول في المنطقة المحيطة بشمال غرب إيران يجب ألَّا تسمح للجيوش الأجنبية التي تخدم مصالحها الوطنية، بالتدخُّل في شؤونها أو الانخراط في جيوشها.
التحشيد العسكري بين البلدين، رافقه تصعيد من قِبَل الأوساط السياسية والإعلامية ضدّ أذربيجان وتركيا، وسط ظهور مطالب راديكالية من بعض نوّاب البرلمان، للمطالبة بإعادة ضمّ جمهورية أذربيجان إلى الأراضي الإيرانية، فضلًا عن المطالبة بالردّ على ما أسموه «العثمانية الجديدة» لتركيا بـ «صفوية جديدة». وبالمقابل، هاجم محتجُّون غاضبون السفارة الإيرانية في باكو احتجاجًا على التصعيد الإيراني ولهجة التحدِّي والاستعلاء، التي ظهرت على لسان المسؤولين الإيرانيين، والتي حملت تهديدات وصلت حدّ المطالبة بضمّ الأراضي الأذربيجانية بوصفها أراضٍ إيرانية انفصلت عنها بفعل السياسات الاستعمارية، كما أغلقت السُلطات في أذربيجان مكتب ممثِّل المرشد علي خامنئي وحسينية في العاصمة باكو. ثُم تطَّورت ردود فعل أذربيجان على التصعيد الإيراني، بإجراء مناورة واسعة وجديدة مع تركيا في منطقة «نخجوان» الحدودية، استمرَّت لمدَّة 4 أيام.
ثانيًا: دوافع التصعيد الإيراني-الأذربيجاني
1. التحوُّلات الجيوسياسية وإعادة تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي:

لا يمكن عزل التطوُّرات الإقليمية والدولية عن التصعيد الإيراني-الأذربيجاني، خلال المرحلة الراهنة؛ فالأوضاع السياسية حول البلدين تبدو قيد عمليةِ تغييرٍ تحمل في طيّاتها فُرصًا وتحدِّيات أساسية، فهناك الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي ترك خلفه فراغًا دفع بالسياسات الإقليمية قُدُمًا، ويستشرف البلدين تموضُعًا جديدًا ضمن الترتيبات الإقليمية القادمة، لتأمين مكتسباتهما. من جانبها، اتّجهت إيران إلى تعزيز توجُّهاتها شرقًا، وحجز مكانة جديدة في منظَّمة شنغهاي، وتخطِّط لعلاقات إستراتيجية مع الصين وروسيا، في حين وثَّقت أذربيجان حليف الولايات المتحدة في المنطقة علاقتها مع تركيا وباكستان؛ لموازنة تحرُّكات طهران وتهديد روسيا.
في هذا السياق، جاءت المناورات الباكستانية-التركية-الأذربيجانية في بحر قزوين، والتي اعترضت عليها إيران بشدَّة بوصفها تخالف اتفاقيات دولية تمنع أيّ حضور عسكري لدولة أجنبية في مياه بحر قزوين، حيث تتحسَّب إيران لأيّ خلل بميزان القُوى مع جارتها الشمالية، مع ما لذلك من تداعيات جيوسياسية وديمغرافية واقتصادية.
بالمقابل، فإنَّ أذربيجان تريد أن تضع نفسها في قلب التوازُنات الإقليمية الراهنة، بما يمكنها من الاحتفاظ بمكتسباتها بعد تحرير إقليم كاراباخ، من خلال تحالُفات إقليمية مؤثِّرة، خصوصًا في ظِل موقف إيران غير المُرحِّب باستعادة أذربيجان لسيادتها على الإقليم وهزيمة أرمينيا، واقتراب تركيا أكثر فأكثر من حدود إيران الشمالية وامتلاك ورقة ضغط عند حدودها الشمالية.
من جهة ثانية، تخشي إيران من أن يهمِّش هذا التحالُف التركي-الباكستاني-الأذربيجاني من دورها، في الوقت الذي يعزِّز من مكانة ونفوذ أهمّ منافسيها الإقليميين- باكستان وتركيا- حول كُتلة جغرافية كبيرة تمتدّ من نقاط التماسّ بين نفوذ تركيا في شمال العراق، وحتَّى المحيط الهندي مع نهاية حدود باكستان وإيران، فيما يبدو عملية تطويق كبيرة لنفوذ إيران تلعب فيه أذربيجان وأفغانستان حلقة الوصل بين نفوذ باكستان وتركيا، وقد يشكِّل هذا التحالُف تهديدًا أكبر، في حال انضمّ الخليج إلى هذا الحلف، وبالفعل بدأت مؤشِّرات حول إمكانية ذلك، ولا سيَّما في أفغانستان.
2. ممرّ نخجوان وتعاظُم دور تركيا:
ويسبِق هذه التطوُّرات العلاقة التاريخية المتوتِّرة بين الجارتين إيران وأذربيجان، لكن عاد الصراع إلى الواجهة من جديد، بعدما نصَّ اتفاق وقف إطلاق النار في كاراباخ، المُوقَّع بين روسيا وأذربيجان وأرمينيا، والذي نصَّ على إنشاء ممرّ جديد يربط بين أذربيجان وناختشيفان (جمهورية ذات حُكم ذاتي تتبع أذربيجان)، مع ما يعنيه ذلك من فُرص لأذربيجان وتركيا وتحدِّيات لإيران. فبالنسبة لإيران، فإنَّ هذا الممرّ سوف ينهي أيّ حدود مباشرة لإيران مع أرمينيا، كما يحمل هذا التغيير تحوُّلات مهمَّة في فضاء إيران الشمالي، فالممرّ له دور مهم في ربط تركيا ببلدان العالم التركي (آسيا الوسطى) عبر أذربيجان، وكذلك منحها فضاءً اقتصاديًّا موازيًا، في تحوُّل جيوسياسي واقتصادي وتجاري هائل لصالح تركيا، ولا سيّما أنَّ هذا الممرّ يقع على طريق الحرير التاريخي، ويمنح تركيا فُرصة في المشروعات الدولية العملاقة، التي تتنافس في المنطقة. ومن منظور الاتصال الأوراسي، يمكن أن يصبح ممرّ ناختشيفان جزءًا من ممرّات النقل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، التي تمُرّ عبر جنوب القوقاز.
وهُنا يُفهَم سبب إصدار البرلمان الإيراني بيانًا قال فيه: إنَّ أيّ تغييرات في حدود الدول المجاورة في دول المنطقة تُعَدُّ خطًّا أحمرًا لإيران، ويُفهَم كذلك من التحرُّكات العسكرية الإيرانية جهة الحدود، وظهور لافت للحرس الثوري على الحدود وظهور جماعة شيعية أذربيجانية تحت مُسمَّى «حسينيون»، فيما يبدو ردًّا على تحرُّكات أذربيجان.

ولمَّا كانت تركيا قد دفعت أثناء معركة تحرير كاراباخ بعناصر أجنبية من سوريا للمشاركة في القتال، فإنَّ إيران لديها شكوك في أنَّ هذه العناصر لا تزال موجودة وتتلقَّى الدعم، وبالتالي قد يكون هناك مخطَّط لاستخدامهم في إطار حرب بالوكالة مع إيران؛ من أجل الضغط عليها في ملفّات إقليمية أُخرى، كالملف السوري أو الأفغاني.


3. مخاوف إيران من التأثير على حركة تجارتها مع أرمينا وفضاء أوراسيا:
في فضاء أوراسيا، تحوز أرمينيا على أعلى معدَّل نمو صادرات حقَّقته إيران؛ ما مهَّد الطريقَ لميزةٍ تنافُسية للمنتجات الإيرانية، مقارنةً بتلك القادمة من تركيا، وهي الدولة التي كانت تهيمن على السوق الأرمينية قبل تنفيذ الاتفاقية التفضيلية بين إيران واتحاد أوراسيا. فالملاحظ أنَّ الصادرات الإيرانية إلى أرمينيا كانت تسيرُ في اتجاهٍ تصاعُدي ثابت، حيث تضاعفت من عام 2016م إلى عام 2019م، ووصلت تقريبًا إلى حجم الصادرات الإيرانية إلى روسيا، بمعدَّل 39.71% من الإجمالي، وهو رقمٌ يعكس أهمِّية أرمينيا المتزايدة لإيران على مدى السنوات الأربع الماضية؛ و«معظم التبادُل التجاري يتألَّف من الفواكه والخضروات والمكسَّرات والأسمنت ومنتجات المعادن الحديدية والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المُسال»، فبينما انخفضت إجمالي الواردات الإيرانية إلى النصف تقريبًا مع دول اتحاد أوراسيا، لكن ظلَّت أرمينيا مستقرَّةً تقريبًا.
وتمثِّل صادرات إيران من الطاقة إلى أرمينيا أهمِّية كبيرة، وتجدُر الإشارة هُنا إلى أهمِّية إيران لأرمينيا؛ إذ تمثِّل روسيا أكبر شريك تجاري لأرمينيا، كما هو متوقَّع، نرى أيضًا أنَّ السلع الإيرانية احتلَّت المرتبة الرابعة في السنوات الأربع الماضية في الواردات الأرمينية، إذ بلغت ما يقرُب من 325 مليون دولار أمريكي في عام 2019م، وقد سلَّط الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، الضوء على أهمِّية هذه العلاقة التجارية الخاصَّة، في لقاء ثُنائي جمعه مع الرئيس الأرميني أرمين سركيسيان بقمَّة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في يريفان، حيث قال: «تمتلك جمهورية إيران الإسلامية وأرمينيا العديد من القُدرات في مجالات مختلفة، مثل الطاقة والمرور العابر والسياحة والصناعة، لاستخدامها بما ينسجم مع مصلحة الشعبين»، وهذا ما أكَّده رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، قائلًا: «إيران مصدرٌ مُستدام للطاقة والغاز الطبيعي لأرمينيا، وإنَّ بلاده (أرمينيا) تريد تمديد اتفاقية مقايضة الغاز بالكهرباء مع إيران حتّى عام 2040م».
4. علاقة أذربيجان بالولايات المتحدة وإسرائيل:
تخشى إيران من أن تتحوَّل أذربيجان إلى قوَّة مزعزعة لاستقرار إيران، فمن جِهة تُعَدّ أذربيجان حليفًا مهمًّا للولايات المتحدة في منطقة القوقاز، ويمثِّل إغلاق الطُرق أمام الشاحنات الإيرانية المتّجِهة إلى أرمينيا ووصول عدد الشاحنات العابرة إلى الصفر، ضغطًا كبيرًا على إيران في ظِل العقوبات، وتهديدًا لإستراتيجيتها التي تعتمد على دول الجوار؛ من أجل التحايل على القيود المفروضة على صادراتها، ويصُبّ ذلك بطبيعة الحال في صالح الولايات المتحدة، خصوصًا قبل العودة إلى طاولة المفاوضات في فيينا بشأن إحياء الاتفاق النووي.
كما تمثِّل علاقة أذربيجان الوطيدة بإسرائيل هاجسًا أمنيًا لإيران، ولا سيّما في ظِل العلاقات الأمنية والعسكرية والوجود الإسرائيلي الاستخباراتي والعسكري في جارتها الشمالية، خصوصًا بعد الهجمات المتزايدة ضدّ أهداف إيرانية خلال السنوات الماضية، ووجود اختراق إسرائيلي واسع النطاق للداخل الإيراني، أسفر عن مقتل العالم النووي الإيراني محسن فخرى زاده، والهجوم على منشأة نطنز النووية وإحداث أضرار بالغة بها، والهجوم على بعض مقرّات الحرس الثوري، وغيرها من العمليات السرِّية، التي تشُكّ إيران أنَّها تَّمت من خلال تعاون مع عُملاء تسرَّبوا إلى داخل البلاد عبر الحدود مع الجيران. وتتزايد مخاوف إيران في ظِل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة باستهداف البرنامج النووي الإيراني، وترجيح استخدام إسرائيل الأراضي الأذربيجانية لضرب المنشآت النووية.
 وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان أثناء لقاءٍ له مع السفير الأذربيجاني الجديد في 30 سبتمبر: «لا نتسامح مع وجود ونشاط ضدّ أمننا القومي للنظام الصهيوني بالقُرب من حدودنا، وسنتّخِذ أيّ إجراء ضروري في هذا الصدد».
وبينما لم ينسَ الأذربيجانيون الموقف الإيراني المؤيِّد لسيطرة أرمينيا على إقليم كاراباخ؛ بسبب مخاوفهم من التطلُّعات القومية للأقلِّية الأذرية التي تشكِّل حوالي 10 ملايين من سُكّان إيران البالغ عددهم 83 مليون نسمة، فإنَّ تحرير إقليم كاراباخ أثار من جديد مطالب وطموحات الأقلِّية الأذربيجانية التي تقطُن شمال إيران، وتنظُر إيران إلى هذه المطالبات بحساسية، في ظِل توتُّرات العلاقة بين المركز والأطراف، التي تجِد في التطوُّرات الراهنة على حدود إيران المختلفة فُرصة للدفع بمطالبها قُدُمًا نحو الأمام، حيث هناك مطالب مماثلة من البلوش مع حدود باكستان وأفغانستان، ومطالب كُردية وعربية جِهة الغرب والشمال الغربي، وجميعها نقاط ضعف قد تضغط بها هذه القُوى المنافسة على إيران؛ لإضعافها ونقل المعركة معها إلى الداخل.
ثالثًا: التداعيات على إيران
من المتوقَّع أن تتسبَّب هذه الأزمة في إدخال إيران إلى دوّامة تحدِّيات جديدة، أبرزها:
1. مزيد من العُزلة لإيران:

من شأن التصعيد الإيراني-الأذربيجاني تكثيف الضغوط وتكديس التحدِّيات على الداخل الإيراني؛ لكون إيران تعاني بالأساس من عُزلة دولية ضاغطة وأوضاعٍ اقتصادية صعبة، أفرزت احتجاجات شعبية حاشدة ومتوالية؛ نتيجة لتردِّي الأوضاع المعيشية والحياتية، بفعل العقوبات المترتبة على طموحاتها النووية ومغامراتها الخارجية وتدخُّلاتها العدوانية في الشؤون الداخلية للدول.
2. إثارة قضية الأقلِّيات:
يُوقِظ هذا الصراع المتصاعد بين الجارتين النزعة العِرقية للأقلِّية الأذرية في إيران، الذين سبق أن خرجوا في تظاهرات داعمة لأذربيجان في نزاعها ضدّ أرمينيا على إقليم كاراباخ، ما قد يُحدِث فوضى عِرقية شمال غرب إيران على نحو يفاقم تكلُفة المواجهة مع أذربيجان، ويزيد من حجم التحدِّيات الداخلية والخارجية التي تواجهها إيران.
3. تطويق إيران من مختلف حدودها:
يفتح التصعيد المتبادل بين الجارتين جبهة صراعٍ جديدة تسهمُ في تطويق إيران بدائرة أزمات وتركة تعقيدات ثقيلة، كونها تزيد من خنق إيران وتكبيلها بالأزمات من اتجاهات عديدة، وبذلك باتت إيران في قلب دائرة أزماتٍ وخلافات. فعلى حدودها الغربية، يأتي العراق الذي يعاني من تحديَّات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، وعلى حدودها الشرقية، تقف أفغانستان كساحة جديدة للصراع الإقليمي والدولي منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان على الحُكم.
 وعلى حدودها الشمالية، تأتي أذربيجان كحلقة صراع جديدة مع إيران تصُبّ في صالح تطويق إيران بدائرة صراعات وأزمات (انظر: الشكل المرسوم على الخريطة)، أمَّا بقية الدول الأُخرى المجاورة لإيران، إمَّا يسود علاقاتها مع إيران الصراع بحُكم اتّساع دائرة الخلافات على ساحات نفوذ، مثل تركيا، أو أنَّ علاقاتها مع إيران مقطوعة، مثل المملكة العربية السعودية في الجهة الغربية للخليج العربي، ومن ثمَّ بدلًا من أن تخرج إيران خارج حدودها لتطويق منافسيها وخصومها، باتت تقع في قلب طوق من الأزمات والصراعات على كافَّة حدودها.

4. منح فُرصة للولايات المتحدة وإسرائيل للضغط على إيران:
تصعيد الصراع الإيراني مع أذربيجان من شأنه تعميق واتّساع دوائر وساحات الصراع مع القُوى الإقليمية والدولية المنافِسة لإيران في المناطق الجغرافية المختلفة، ولا سيّما تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، في توقيتٍ تواجهُ فيه إيران تهديدات عديدة في ساحات النفوذ الإقليمية، تتجلَّى في الضربات الإسرائيلية المتكرِّرة للتمركُزات الميليشياوية في سوريا والعراق وغيرها، مع تنامي هُوة التباينات الروسية-الإيرانية في الساحة السورية؛ نتيجةَ تعارُض المصالح، فضلًا عن العُزلة الدولية والضغوط الأمريكية لتحسين الشروط التفاوُضية في مفاوضات فيينا المرتقبة.
وكذلك يتيح التصعيد الإيراني-الأذربيجاني مساحة أوسع للتحرُّك، وفُرصة جديدة للضغط على إيران وتطويقها وتكبيلها بمزيدٍ من الأزمات من قِبَل مَن تصِفهم إيران بالخصوم، خاصَّةً إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثمَّ يمكن الاستفادة من التحدِّي الذي تمُرّ به إيران، وتحويله كفُرصة لصالح تعظيم الشروط التفاوُضية الأمريكية مع إيران بالنسبة للمفاوضات المعلَّقة في فيينا لإحياء الاتفاق النووي. ومن ناحية أُخرى، يمكن أن تسرِّع هذه الظروف من تقبُّل إيران لمناقشة القضايا العميقة بينها وبين المملكة العربية السعودية، بشكل إيجابي، خلال  المفاوضات الجارية في بغداد على الملفات العالقة بين البلدين المؤثِّرين في قضايا المنطقة.
5. إحباط سياسة إستراتيجية التعاون مع دول الجوار:
يقيِّد هذا الصراع أيضًا من حرية حركة إيران في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية، ويحِدّ من فاعلية الاعتماد الإيراني على دول الجوار في إعادة تصدير النِّفط للعالم الخارجي، ومن ثمَّ عدم التخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية على إيران، على نحو يفاقم من خروج الاحتجاجات الحاشدة احتجاجًا على تفاقُم سوء الأوضاع المعيشية.
رابعًا: مآلات التصعيد بين خِيارَي المواجهة والتهدئة
على ضوء مجموعةٍ من العوامل المحيطة بالبلدين، وأهمَّها التنافُس الإقليمي، وإعادة هيكلة مفهوم الأمن الإقليمي، وتقاطع المصالح الاقتصادية، والتهديدات الأمنية والديمغرافية، سوف تتحدَّد اتّجاهات التصعيد الإيراني-الأذربيجاني خلال المرحلة المقبلة، والتي قد تتراوح بين ثلاثة اتّجاهات رئيسة، هي: الاتّجاه نحو المواجهة العسكرية، أو التصعيد دون المواجهة، أو التهدئة والاحتواء.
الاتّجاه الأوَّل: المواجهة العسكرية
يُفهَم من احتمال المواجهة العسكرية، أنَّ الطرفين سيواصلان عملية التصعيد الراهنة، ولا سيّما بعد إعلان تركيا وأذربيجان تنظيم مناورات عسكرية مشتركة ردًّا على التحرُّكات الإيرانية، الأمر الذي قد يؤدِّى إلى تفاقُم الأوضاع وتدهوُر العلاقات، وبالتالي الدخول في مواجهة مفتوحة على حدود البلدين، قد تشمل تدخُّلًا من قُوى إقليمية ودولية أُخرى.
يعزِّز من هذا السيناريو، تزايُد معدَّلات التنافُس/الصراع الدولي والإقليمي، الذي بدأ يتّخِذ شكل تحالُفات ذات طابع عسكري، في ظِل مرحلة حرِجة يمُرّ بها الإقليم، تسعى فيها الأطراف لتثبيت مكتسباتها الجيوسياسية وتعظيم مصالحها الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن الاستعداد لعملية تحريك جغرافي وقانوني للحدود بناءً على المعطيات الديمغرافية؛ الأمر الذي قد يهدِّد وحدة وسلامة الأراضي الإيرانية، ويثير مزيدًا من المطالب الانفصالية بين الأقلِّيات في إيران، وكذلك حرمان إيران من الحركة في الفضاءات الإقليمية المتاحة والتي تساعدها في موازنة الضغوط الغربية، كما هو الحال في ممرّ ميغري الذي يفصل بين إيران وأرمينيا، ورُبما يعرقل وصولها بسلاسة إلى فضاء أوراسيا، الذي اكتسب أهمِّية كبيرة خلال السنوات الماضية بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، فضلًا عمَّا يوفِّره هذا «الكوريدور» من مكاسب إستراتيجية لتركيا منافس إيران، ويفتح أمامها فُرصًا للتواصُل مع امتداداتها القومية في القوقاز وآسيا الوسطى، بجانب فُرص اقتصادية وسياسية متعدِّدة قد تعرقل محاولة إيران التموضُع كجسر إستراتيجي للممرّات التجارية الدولية، ولا سيَّما الصينية، ناهيك عن حضور إسرائيل المكثَّف على حدودها الشمالية، وإعطاء إسرائيل امتيازًا لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، في ظِل حرص إسرائيل على حرمان إيران من امتلاك السلاح النووي.
إضافة إلى ذلك، قد تتّجِه إيران وأذربيجان إلى المواجهة، مع احتمال اتّجاه إيران لتعزيز وجودها العسكري على حدودها مع أذربيجان، وحشد قوّاتها تحسُّبًا للتهديدات الراهنة، ورُبّما اتّجاهها إلى استخدام أحد أذرُعها التابعة للحرس الثوري للنشاط على حدود أذربيجان. وفي هذا الصدد، تفيد بعض التقارير بظهور لميليشيا «حسينيون» الشيعية كذراع للحرس الثوري في هذه المنطقة،حيث قد تقوم هذه الميليشيا أو غيرها من العناصر الاستخباراتية بعمليات تخريبية؛ للضغط على أذربيجان فيما يخُص الحضور الإسرائيلي على حدودها مع إيران، ورُبّما يشتعل فتيل الحرب في أيّ لحظة؛ نتيجةَ سوء تقديرٍ ميداني، أو محاولة أيٍّ من الطرفين، ولا سيَّما إيران، تصدير جزء من أزمتها الداخلية للخارج عبر مواجهة عسكرية تُوقِف معها تدهوُر شرعية النظام في الداخل، ولا سيَّما حكومة رئيسي التي تواجهُ غضبًا شعبيًّا وأزمات متنامية.
الاتّجاه الثاني: التصعيد دون المواجهة
 من المُحتمَل أيضًا استمرار الجانبين الإيراني والأذربيجاني في التصعيد على كافَّة الأصعدة؛ لتحقيق أكبر قدر من الأهداف المرجُوَّة من جانب كُلّ طرف من وراء التصعيد، دون اللجوء إلى سيناريو الدخول في المواجهات المسلَّحة المباشرة (الحرب). فعلى الصعيد السياسي، من المُحتمَل استمرارية الحرب الكلامية والتصريحات الاستفزازية من قادة وصُناع قرار الدولتين، وتعميق أذربيجان تحالُفها مع تركيا وباكستان، في مقابل لجوء إيران إلى تنامي وتعزيز علاقاتها مع أرمينيا ضدّ أذربيجان، وقد تلجأ الدولتان أو إحداهما إلى تقديم شكاوٍ في مجلس الأمن الدولي. وعلى الصعيد الاقتصادي، ستستمِرّ أذربيجان في تضييقها بل إغلاقها الطريق على حركة التجارة الإيرانية، من خلال تشديدها وتصفيرها مرور الشاحنات التجارية من المعبر الحدودي الأذربيجاني-الإيراني نحو أرمينيا والفضاء الجغرافي الواسع حتَّى العمق الآسيوي والأوروبي، وهذا من شأنه مضاعفة التأثيرات السلبية على الاقتصاد الإيراني، في توقيتٍ تتعرَّض فيه إيران لعقوبات قاسية، وسيكون دافعًا قويًّا لإيران في استمرارية التصعيد ضدّ أذربيجان، التي لن تتوقَّف بدورها عن التصعيد ضدّ إيران.
وعلى الصعيد العسكري، قد تستمِرّ إيران في مناوراتها العسكرية قُرب الحدود الأذربيجانية بكثافة شديدة، مع حشد الجنود والمقاتلين قُرب الحدود الأذربيجانية بذريعة حقها في إجراء المناورات، كما قد تستمِرّ أذربيجان في تنظيم المناورات العسكرية مع تركيا ردًّا على استمرارية المناورات الإيرانية، وقد يلجأ الحرس الثوري إلى الضربات المحدودة لبعض الأهداف الأذربيجانية، بنفس الأسلوب الذي تتبعه إيران ضدّ خصومها في منطقة الشرق الأوسط، من خلال الضربات المحدودة لأهدافٍ بعينها، حسب إستراتيجية عمليَّات ما بين الحروب، وهو ما يتناسب والقُدرات والتحدِّيات التي تواجهها إيران على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وقد يلجأ الجانبان الإيراني والأذربيجاني لهذا السيناريو بالنظر إلى التكلُفة العالية، المادِّية والبشرية، التي تفرضها المواجهات المسلَّحة على الجانبين، فلا إيران تحبِّذ الدخول في مواجهات مسلَّحة مفتوحة، بالنظر إلى التحدِّيات الداخلية (سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والصحِّية بفعل العقوبات الاقتصادية وكورونا) والخارجية (العُزلة الدولية نتيجة طموحاتها النووية ومغامراتها الخارجية وتدخُّلاتها الإقليمية)، ومخاوفها على ضياع تكلُفة الفُرصة البديلة، فدخولها في حرب مع أذربيجان سيُفِقدها حصد مكتسباتها وأرباحها في ساحات النفوذ في الشرق الأوسط نظير الأثمان المادِّية والبشرية التي قدَّمتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن لمدّ نطاق نفوذها، فقد تعرَّضت التمركزات الميليشياوية والإيرانية في سوريا والعراق لمئات الضربات والغارات الإسرائيلية والأمريكية دون أن يدفع ذلك إيران للدخول في حربٍ مباشرة مع إسرائيل، التي تعلم إيران عقبى قيامها بردود غير محسوبة، فقد وصل الأمر لحدّ قتل الولايات المتحدة مهندس النفوذ الإيراني الإقليمي الجنرال قاسم سليماني في العراق، ولم يتجاوز ثأر إيران لسليماني سيناريو الضربات المحدودة، لإدراك إيران أنَّ من شأن الدخول في مواجهاتٍ مفتوحة، التأثير على بقاء النظام  الإيراني ذاته، وهو الأولوية لإيران، كما تدرك إيران حال قيام مواجهات مسلَّحة بحتميَّة دخول أطراف عديدة مع أذربيجان، حيث كان للسلاح الإسرائيلي دور كبير في تغيُّر ميزان القوَّة لصالح أذربيجان في حربها مع أرمينيا وكسب الحرب، كما أنَّ أذربيجان لم تحبِّذ أيضًا الدخول في سيناريو الحرب مع إيران، نتيجة اقتصادها المُنهَك بعد خروجها من حرب مع أرمينيا قبل أقلّ مع عام تقريبًا.
الاتّجاه الثالث: التهدئة والاحتواء
يُقصَد به لجوء إيران وأذربيجان إلى خفض التصعيد، والعمل من خلال إيجاد آليَّات لاحتواء التصعيد، سواءً بصورة ثنائية، أو من خلال وساطة قُوى إقليمية أو دولية، وصولًا إلى تفاهُمات جوهرية تخفِّف من مخاوف الطرفين، وتمهِّد لتسويةٍ للخلافات بما يضمن مصالح كُلّ طرف، وتحوُل دون استمرار التصعيد الراهن، ودون وصوله إلى نقطة اللاعودة.
قد يدعم هذا الاتّجاه، أنَّ كِلا الطرفين غير مستعدِّين لتحمُّل تكلُفة الحرب، فأذربيجان خرجت حديثًا من  حرب تحرير إقليم كاراباخ، وإيران تعاني ممَّا تسميه حرب اقتصادية تشنّها الولايات المتحدة والغرب ضدّها، ولديها عجز هائل في الميزانية وأوضاع معيشية كارثية، واحتجاجات داخلية متصاعدة، فضلًا عن ذلك لا تزال الإجراءات المُتّخَذة على الحدود من الجانبين في حدود السيطرة، ولا تزال تأتي في إطار الردع المتبادل ولا تحمل طابعًا هجوميًّا، ورُبّما لا تتحمَّل أيٌّ من البلدين تكلُفة خوض معركة قد تفاقِم من التحدِّيات، وتسمح لتدخُّلات إقليمية ودولية قد تهدِّد بقاء أيٍّ من النظامين، أو تهديد سيادة أراضيهما ووحدتهما، ولا سيَّما النظام الإيراني، الذي لديه عداءٌ كبير مع الغرب والولايات المتحدة، وكذلك مع عدد من القُوى الإقليمية، التي قد تجد فرصة  لتذكية الصراع وتأجيجه لفرض مزيد من الضغوط والحصول على مكاسب أو تنازُلات جوهرية، ولا سيَّما من جانب إيران التي تساومها الولايات المتحدة والغرب والقُوى الإقليمية من أجل إحياء الاتفاق النووي وتقديمها تنازُلات تخُص السلوك الإقليمي والأنشطة التخريبية خارج الحدود والبرنامج الصاروخي، كما أنَّ هناك مساعٍ إقليمية من أجل احتواء الخلافات وتسويتها قبل أن تتفاقم، حيث هناك دعواتٌ لاجتماعات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين، وإذا ما نجحت فإنَّها ستُسهِم في تخفيف التوتُّر واحتواء التصعيد الراهن.
ومع أنَّ التصعيد يظهر في خلفيته تنافُس وصراع تركي-إيراني، في إطار الاستقلالية الذاتية القائمة على إملاءات أيديولوجية دينية واقتصادية، وأنَّ هذا التنافُس قد بدأ يأخذ طابعًا صراعيًّا خلال الفترة الأخيرة، غير أنَّ البلدين لا يزالان قادرين على تسوية خلافاتهما، وليسا مستعدَّين للدخول في مواجهة تعديلية لميزان القُوى في المنطقة، وتحديدًا في إقليم القوقاز، فالمصالح الاقتصادية بينهما تحافظ على قدر من التعاون في معالجة الأزمات، ولا سيَّما أنَّ كُلًّا منهما لديه إشكالية في العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، ويواجهان تحدِّيات تفرض تنسيق المواقف بدلًا من الصراع، وتخشى كُلٌّ منهما العبث بوحدة أراضيهما من خلال ورقة الأقلِّيات، وهو ما قد ينعكس في احتواء التصعيد الراهن في كاراباخ.
الخلاصة
بينما يُستبعَد سيناريو دخول الجانبين الإيراني والأذربيجاني في مواجهات مسلَّحة، لاعتبارات التكلُفة العالية للحرب، والاقتصاد المنهك لكلا الدولتين، والتحدِّيات الداخلية والخارجية المتراكمة أمامهما، ومخاوف كُلِّ دولة على خسارة مصالحها، التي يمكن حمايتها دون خسائر من خلال الجلوس على طاولة المفاوضات أفضل من الدخول في حرب، يمكن إيلاء الجانبين سيناريو التصعيد دون المواجهة العسكرية، الأولوية على المدى القصير لتحقيق الأهداف المرجُوَّة من التصعيد، وعند تحقيق الأهداف أو بعضها لكُلِّ دولة من تبنِّيها سيناريو التصعيد دون المواجهة، يمكن الدخول في سيناريو التهدئة والاحتواء، ولا سيَّما أنَّ التصعيد المتبادل لا يزال في طور الدفاع، ولم يتّخِذ بعد الطابع الهجومي المسلَّح.
وتعكس المعطيات السابقة أنَّ هناك تحوُّلات كُبرى تجرى على الساحتين الإقليمية والدولية، في أدوات تحجيم أدوار أو نفوذ بعض القُوى الإقليمية الطامحة في التمدُّد والتوسُّع على حساب أمن واستقرار الدول، وهو بالأساس ليس في صالح إيران ذات النزعة العدوانية التوسُّعية على حساب جاراتها العربية. وبدلًا من التمدُّد لتحقيق أهدافها الكُبرى، وإن كانت تمتلك ساحات نفوذ تواجه فيها تحدِّيات جمَّة، وجدت نفسها محاصرة بدائرة أو بطوق من الأزمات والأعداء والخصوم، بفعل سياساتها وتدخُّلاتها التوسُّعية، وعدم احترامها للشؤون الداخلية للدول؛ ما يعكس أنَّ هناك سياسات إقليمية ودولية جديدة لتحجيم نفوذ إيران وكبح جماحها، ليس فقط من خلال فرض العقوبات، التي باتت تمتلك حيالها إيران خبرةً واسعة للالتفاف عليها والتخفيف من وطأتها، وإنَّما من خلال تطويق إيران بطوق أزماتٍ أمنية وصراعاتٍ وأعداء من كُلِّ جانب؛ بهدف دفع إيران لتعديل سلوك نظامها، بما يجعلها دولة طبيعية.
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English