بين أميركا ومصر.. سياسات تتغيّر و”مساحيق” تتبدّل

كتب هادي بو شعيا


 
تستأنف الإدارة الأميركية الحوار الاستراتيجي مع مصر بعد تعليقه لعدّة سنوات، وتتطلّع إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع القاهرة على مختلف المستويات، فضلاً عن التعاون بغية تحقيق إصلاحات أساسية.
أمام هذه الخطوة التاريخية، شهد الكونغرس الأميركي تضارباً في المواقف حيال تعليق بعض المساعدات الأميركية لمصر بسبب سجلّ حقوق الإنسان، إذ انتقد السناتور الجمهوري تيد كروز خطوة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حجبها مبلغ مئة وثلاثين مليون دولار أميركي من المساعدات الخاصة بالأمن ومكافحة الإرهاب عن حلفائها المصريين بسبب مخاوف تتعلّق بحقوق الإنسان في مصر، حسب مزاعم الإدارة.
كما تطالب الإدارة أيضاً بإطلاق سراح سجناء في مصر دون أن تعلن عن أسمائهم لأنها لا تستطيع الدفاع عنهم أمام الأميركيين، لأنهم جميعاً أعضاء في منظّمة إرهابية هي جماعة الإخوان المسلمين.
وللتذكير فقط، أنّه في ظلّ إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عزّزت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً، وعلى نحو غير مفهوم، جماعة الإخوان المسلمين، التي دافعت عن الإرهاب ضدّ الولايات المتحدة، حيث تمّ تعزيز هؤلاء المتطرّفين على حساب حلفاء واشنطن العرب المعتدلين، مع سعيهم المستمرّ لتضليل الرأي العام باستمرار بشأن أهدافهم.
ومن المنظار نفسه، نظر الخبراء إلى العلاقات الأميركية-المصرية ولكن من خلفيات مختلفة. وكان لافتاً تغريدة المدير التنفيذي لمنظّمة هيومن رايتس ووتشHuman Rights Watch كينيث روث: “وعد الرئيس بايدن بأن يقود في مجال حقوق الإنسان، لكن عندما يتعلّق الأمر بمصر والسعودية وإسرائيل وسوريا، كان بايدن متقاعساً. أن تكون لديك مبادئ أمر له دائماً كلفة. وعندما تكون الأولوية في الغالب للمصالح الأخرى لا يعود الأمر مبدأ”.
ولكن بحسب الإنتقادات التي وجّهتها هيومن رايتس ووتش، فإنّ أهم فشل لبايدن هو أنّه لم يكن صارماً كفاية تجاه أصدقاء أميركا. أمّا بخصوص ما إذا كانت حكومة الولايات المتحدة صارمة بما يكفي تجاه خصوم واشنطن المتمثّلين بإيران وحركة حماس وحزب الله والحوثيين وسواهم، فإنّ هيومن رايتس ووتش تلتزم الصمت، ما عدا بخصوص سوريا. هذا الإختلال يقول الكثير!
بناءً على ما تقدّم يمكن رصد أربع قراءات تناقش وتحلّل التوجّهات السياسية التي تتبنّاها إدارة بايدن والتي يبدو أنها تنتهج معيار “على القطعة”:
– الأولى، أرسلت الإدارة الأميركية إشاراتٍ غير ايجابية تلمّح فيها بأنّها لن تفي بوعدها بعدم التساهل مع مصر في مجال حقوق الإنسان، خصوصاً أنّ القاهرة لا تزال، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تخنق حرّية التعبير وتحتجز الآلاف من السجناء السياسيين وتمارس التعذيب تحت مسمّى مكافحة الإرهاب؛ إذ يمكن وصف استراتيجية مصر لحقوق الإنسان بأنها “مجرّد مساحيق تجميلية”.وعلى الرغم من وجوب وضرورة التعاون بين واشنطن والقاهرة في ملفّات عدّة من بينها ملفّا غزة والسودان، إلّا أنّه على إدارة بايدن استغلال حاجة مصر للمساعدات العسكرية الأميركية لمطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باحترام أبسط حقوق شعبه.
– الثانية، لعلّ التعديلات التي أقرّها مؤخّراً مجلس النواب المصري، والتي من شأنها تقوية وتعزيز نفوذ سلطة الرئيس والقوّات العسكرية بذريعة محاربة الإرهاب وحفظ الأمن، ستجعل السلطات المصرية تتوسّع في مفهوم حفظ الأمن بطريقة فضفاضة تكون أشمل من حالة الطوارئ التي أعلن الرئيس السيسي رفعها. وبالتالي فإنّ السلطة المصرية أخذت باليسار ما قدّمته باليمين، ذلك أنّ ادّعاء القاهرة حرصها على القانون وراءه غايتان:
* إستغلال قانون محاربة الإرهاب كآلية لتشريع التحكّم.
* إعطاء المدافعين عن النظام مساحة للردّ على الإنتقادات الآتية من الداخل والخارج.
– الثالثة، في تذكير فقط، بأنّ الرئيس بايدن لم يتحدّث مع الرئيس المصري في خلال الأشهر الأربعة الأولى من ولايته قبل أن يغيّر موقفه، بعد اندلاع العنف بين إسرائيل والفلسطينيين على خلفية أزمة حيّ الشيخ جرّاح والتداعيات التي ترتّبت عليها من صدامات مع حركة حماس في أيار/مايو، ونجاح مصر في الوساطة والتوصّل إلى صيغة لوقف إطلاق النار.
فيما لم يُترجم بعد سعي إدارة بايدن إلى وضع قضية حقوق الإنسان في صلب علاقاتها مع مصر إلى تغيير في السياسة المصرية. ويبدو أنّه من غير الواضح ما إذا كانت الإدارة الحالية ستواصل توظيف الدعم العسكري كورقة ضغط في المستقبل.
– الرابعة، يعتزم الرئيس المصري قريباً التوقيع على قانون جديد في محاولة للسيطرة على المعلومات المضلّلة في عصر فيروس كورونا. لكنّ المراقبين يخشون من الصلاحيات التي يمنحها هذا القانون لكبار المسؤولين، والتي كانت متاحة لهم في السابق فقط “في ظلّ حالة الطوارئ” والتي رفعتها مصر الشهر الماضي. إلّا أنّ مصر سرعان ما أقرّت قوانين تنقل سلطات مماثلة للحكومة والجيش، مما أثار الشكوك وطرح علامات استفهام كبيرة حول جدّية البلاد في تخفيف حملة القمع القاسية ضدّ المعارضة.
المصدر: MEDIA FACTORY NEWS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English