تنظيم الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة الهندي.. التواجد ومسارات المستقبل.. بقلم مصطفى زهران

رغم التوسع في عمليات رصد وتحليل الحالة الجهادية ومسارات التطرف حول العالم، ورغم الاهتمام الشديد لدى مجتمع الباحثين وصناع القرار بشأن تتبع تجوال عدوى التطرف من بلد لأخر، إلا أن المراقب سوف يلاحظ وجود قصور ونُدرة في تتبع ورصد الحالة الجهادية في الهند، ما ترتب عليه وجود ثغرة معرفية، قد تؤثر سلباً عند تقييم تطورات هذة الحالة ليس فقط في الهند بل في كامل شبه القارة الهندية ونقاط التماس الجغرافي معها. ولذلك تأتي هذة الدراسة الهامة كمحاولة لسد تلك الثغرة، بما يساعد على تفكيك وتحليل الحالة الجهادية ومسارات التطرف في الهند بشكل أكثر وضوحاً ودقة.


 
حافظت الحالة الجهادية الهندية – رغم محدوديتها – على مدار العقود السابقة على الطابع المحلى لها، وكان للتنوع الفكري والأيديولوجي والعقائدي لمسلمي الهند تأثير كبير في عدم تقلدها أدوارا فاعلة ومؤثرة تنتقل بها إلى مربع يتيح لها التمدد والانتشار .
 وفي موازاة ذلك، ظلت تجاربهم في جزء كبير منها حبيسة الداخل، ولم تتلقف تأثيرات العولمة الجهادية عليها كما الحال في باكستان وأفغانستان ودول جنوب شرق آسيا، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى ملامح الإسلام الهندي ومحدداته وخصائصه التي تميزه عن غيره، وساهم ذلك في الحؤول دون اختراق التيارات الجهادية الكبرى له، وعلى الرغم من محاولات القاعدة في قمة صعودها في العقد التاسع وبداية الألفية الثانية، إلا أن تأثيراتها كانت طفيفة وغير مؤثرة على الجغرافية المجتمعية الهندية مقارنة بغيرها من الدول العربية والإسلامية وخاصة في الخليج وشمال أفريقيا .
إلى أن ظهر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” محاولا إيجاد موطئ قدم له في الداخل الهندي معتمدا على التحولات التي تعايشها الدولة الهندية من وصول أكثر الأحزاب الهندية تطرفا إلى السلطة، وانعكاسات ذلك والتي تصب في بطبيعة الحال في صالحه، خاصة أنه ومع التطرف الصاعد للهندوس ضد الأقلية المسلمة بدعم من السلطة السياسية هناك، ومساعي داعش لاستثماره من خلال تقديم خلافته ومبايعته على كونهما المنقذ لهم من سياسات التهميش والإقصاء التي تزايدت منذ وصول حزب “بهاراتيا” إلى السلطة .
والملاحظ من تتبع التواجد الداعشي في الهند يجد أنه لا يزال في طوره الأول حيث لا تزال شبكته التنظيمية وقوته البشرية ضعيفة وقليلة مقارنة بغيرها رغم تدشينه “ولاية الهند” كدلالة على الحضور الفاعل هناك، إلا أن ما يدلل على ذلك الأعداد الهندية القليلة التي انضمت لحواضره القديمة في الرقة والموصل قبيل زوالهما، من جهة، وقلة العمليات الداعشية ومحدوديتها في الداخل الهندي خلال السنوات الماضية منذ ظهور التنظيم وحتى اللحظة، فضلا عن إطلاق مجلته الدعائية “صوت الهند” التي تعد آخر الآليات الإعلامية التي دشنها في الفترة الأخيرة، ما يعني أننا في البدايات الأولى للتواجد الداعشي في شبه الجزيرة الهندية .
 
التنويعات العرقية والدينية في الهند
حصلت الهند الواقعة في جنوب آسيا على استقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947، ويبلغ عدد سكانها قرابة المليار نسمة (1) ونظرا لحجم التنوع الإثني والعرقي والطائفي والملي المتواجد على ظهرانيها تأسست بعد الاستقلال كدولة علمانية يمكن أن تتعايش داخلها كافة هذه التنويعات، وعلى الرغم من ذلك إلا أنها لا تزال تعتمد على الكثير من الموروث الديني التاريخي للهند القديمة قبل دخول الإسلام إليها (2)
 وتتوزع الطوائف العرقية في الهند ما بين : (الهنود الآريون ونسبتهم 72%، يليها الدرافيدايان 25%، ثم المنغوليون والأعراق الأخرى 3%)، وتقدر نسب الديانات داخلها على النحو التالي (80.5% للديانة الهندوسية، و13.4% للإسلام، و1.9% للسيخية، 0.8% للبوذية، 0.4 للجينية)، ويمكن تفهم تعدد اللغات تبعا لهذا التنوع، حيث تمثل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في البلاد في حين أن اللغة الهندية هي الأكثر انتشارا ويتحدث بها 41% من السكان، وبجوارهما توجد 14 لغة أخرى غير رسمية(3)
لدى الهند ثاني أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم، ويشكلون قرابة الـ14% من السكان، (4) ونظرا لتعدادهم الذي وصل إلى 180 مليون شخص، يقتربون من إجمالي عدد سكان باكستان المجاورة وفي المستقبل المنظور ربما قد يتجاوزون عدد سكان مسلمي إندونيسيا، ولكنهم رغم ذلك كله يبقون أقلية غير مرحّب بها في بلدها.(5)
من الأهمية بمكان عدم النظر إلى مسلمي الهند باعتبارهم كتلة واحدة أو كيان واحد متجانس فيما بينه، إذ إنهم ليسوا كيانًا دينيًا أو سياسيًا واحدًا.
ويتوزع مسلمو الهند ما بين (البريلويون Barelwis) و(الدوباندية Deobandis) وتنتشر بينهم المدارس الفقهية المختلفة مثل (الشافعي، والحنفي، وأهل الحديث / السلفيين) بالإضافة إلى الجماعات الدينية السلفية منها والحركية مثل: جماعة التبليغ والدعوة الشهيرة، التي تنتشر فروعها في جميع أنحاء العالم، والجماعة الإسلامية، وغيرهم فيما تتعدد اللغات في أوساط مسلمي الهند ما بين (البنغالية، الأردية، التاميلية، الغوجاراتية، المالايالامي) ويتفاعل ذلك كله بشكل دائم فيما بينهم، مما يخلق مجتمعًا هائلًا غير متجانس، ويرجع البعض إلى أن هذه التعددية بجانب التنوع كانت أحد الأسباب الرئيسة في عدم مشاركة المسلمين الهنود في النزاعات نظرا لأنه أصبح لكل مجموعة سياقاتها وتطلعاتها وتحدياتها المحلية. (6)


 
حزب بهاراتيا جاناتا (BJP)
في مايو 2019 عقب انتخابات تشريعية ماراثونية حقق حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم في الهند انتصارًا تاريخيًّا كان بمثابة مفاجأة لمؤيدي الحزب ومعارضيه على حد سواء، ومنى حزب المؤتمر الوطني الهندي –المنافس– بهزيمة تاريخية ثانية بعد سيطرته الممتدة تاريخيًّا على الحكم في الهند، كانت هذه النتائج بمثابة نقطة تحول فاصلة في مسارات المشهد السياسي الهندي، وذلك لكونها عززت لسيطرة التيار –القومي- على النظام السياسي الهندي في ظل دولة تأسست كنظام علماني، من جهة وما واجهته أحزاب المعارضة من فشل تموضعها على النحو الذي يمّكن لها داخليا خاصة بعد فشل توظيفها للمعطيات القائمة من مظاهر التراجع الاقتصادي وتزايد معدلات الفقر، والبطالة، في تحفيز الناخبين للتصويت لصالحهم، من جهة أخرى، ما أتاح لحزب بهاراتيا جاناتا هيمنة كاملة على المشهد السياسي في الهند(7) ما يعني أن الانتماءات الأيدلوجية لعبت أدوارا هاما في هذا السباق الانتخابي عن كافة المظاهر الأخرى المرتبطة بالاقتصاد.
تعود جذور حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) إلى ” بهاراتيا جانا سانغ BJS ” (رابطة الشعب الهندي)، التي تأسست في عام 1951 كجناح سياسي للمجموعة الموالية للهندوس، وبعد الاستقلال أصبح لسان حال الهندوس السياسي. 
دعا حزب بهاراتيا جاناتا إلى هندوتفا وهي الأيديولوجيا المؤسسة للحزب، وهي أيديولوجية سعت إلى تعريف الثقافة الهندية من حيث القيم الهندوسية، وكان دائم النقد بشكل كبير للسياسات والممارسات العلمانية للمؤتمر الوطني الهندي (حزب المؤتمر).
بدأ حزب بهاراتيا جاناتا مشواره في التقدم منذ تحقيقه لنجاح انتخابي في عام 1989، عندما استفاد من الشعور المعادي للمسلمين من خلال الدعوة إلى إقامة معبد هندوسي في منطقة في ” أيوديا” المقدسة – وفق أدبياتهم – على أنقاض المسجد التاريخي لمسلمي الهند المعروف بـ المسجد البابري أو (مسجد بابور) “و بحلول عام 1991، زاد حزب بهاراتيا جاناتا بشكل كبير من جاذبيته السياسية ونجح في الحصول على 117 مقعدا في البرلمان، فيما أصبحت بعد ذلك أربع ولايات هندية تحت سلطته (8)
على الضفة الأخرى وفي غمرة صعود حزب بهاراتيا جاناثا- الهندوسي – الذي بات الأقوى في المشهدين السياسي والمجتمعي الهندي، أثار ذلك التقدم شهية بعض المتحمسين والمتعاطفين الذي يقال إنهم كانوا من أنصاره نحو الإقدام على هدم المسجد البابري في عام 1992، الأمر الذي نتج عنه أعمال عنف امتدت إلى جميع أنحاء البلاد وخلفت المئات من القتلى وآلاف المصابين، وقوبلت تلك الأحداث باستنكار هندي على المستوى الشعبي المسلم بكل تنوبعاته من جهة والمنظمات والأحزاب الهندية العلمانية فضلا عن الجمهور الهندي غير المسيس ما أشعر الحزب الهندوسي بقلق تجاه مستقبله السياسي والمجتمعي فلجأ إلى استثارة المشاعر الدينية ومحاولة جذبها من جديد، فبادر باستعادة الثقة في الحزب، وتوسيع قاعدته، من خلال القيام بمسيرات متعددة تتخللها عربات تحمل أجساما وأشكالا لـ”الإله الهندوسي راما” بشكل رمزي باعتباره رمز النهضة الثقافية.(9)
وجاء تولى ” ناريندرا مودي” عضو -حزب بهاراتيا- رئاسة الوزراء عام 2014 م لتصبح للهندوس اليد الطولى والكلمة العليا في الهند كافة، وبالفعل سجلت عام 2015 اعتداءات عنيفة على الأقليات الدينية في الهند حيث أوردت منظمة FactChecker الهندية غير الحكومية 254 جريمة تم الإبلاغ عنها تستهدف الأقليات الدينية بين يناير 2009 وأكتوبر 2018(10)


 
مسلمو الهند وباكستان
المسلمون في جغرافية الهند يمثلون حالة خاصة ويرجع ذلك إلى ما يمكن تسميته بـ”الإسلام الهندي” الذي راعى طبيعة المجتمع المتعدد الأعراق والإثنيات والملل ما أضفى على المسلمين هناك مسحة من المرونة في تقبل الآخر، وهي صفة يشترك فيها الكثير من مسلمي آسيا نظرا لتعدد المذاهب الدينية والمعتقدات، وذلك بشكل مغاير عن المسلمين في جغرافيات أخرى.
وعلى الرغم من الممارسات الهندوسية التي جعلت من استهداف المسلمين بالداخل هدفا أوليا، إلا أن غالبية مسلمي الهند تحلوا في كثير من الأوقات بالحكمة العالية ولم ينخرطوا بشكل طوعي نحو التطرف والتشدد لمبادلة الهندوس عنفهم، وهذا جعل مشاكل الهند الداخلية فريدة وغير مرتبطة بقضايا أخرى خارج حدودها، وفي ذات الوقت لم يمنع ذلك نشوء بعض الحركات والتيارات التي سلكت مسلكا آخرا أكثر راديكالية في كثير منها.
وعلى مدار أكثر من 70 عاما لم تشهد الهند سوى عدد قليل من الهجمات الجهادية من قبل إسلاميين محليين، ما جعل المشهد الجهادي في الهند مختلفا عن مثيله في البلدان الأخرى، وتتمركز الحالة الجهادية –جغرافيًا- حول الأجزاء الشمالية الهندية (11)
في المقابل يعتقد الهند أن باكستان –الجار النووي- منذ التقسيم عام 1947 وهي تقف على خلف الجماعات الجهادية في الداخل الهندي، وخاصة في ملايتي جامو وكشمير.(12) وهو ما يفسر خوض الهند لثلاث حروب ضد باكستان بسبب كشمير ذات الغالبية المسلمة، التي يتنازع عليها كل من الهند وباكستان.(13)
 
مسببات التطرف وتداعياته
تمتلك الحكومة الهندية العديد من المؤسسات الاستخباراتية والجيشية والشرطية والتي تعتمد بشكل كبير ضمن منظومتها الأمنية في مكافحة التمرد في المناطق ذات الغالبية المسلمة على جماعات مليشياوية شبه عسكرية محلية لإخماد أي تمرد من قبلها، الأمر الذي يلقي بظلاله على زيادة رقعة الغضب والاحتجاج من بقية المكونات الإسلامية الأخرى نتيجة القمع المتواصل، في ظل اتهامات لهذه الجماعات بارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، وما زاد من وتيرته سن التشريعات مثيرة الجدل إلى حد كبير، التي تمنح الإذن غير المشروط لقوات الأمن الهندية لإطلاق النار بدون قيد أو شرط أو مراعاة حالات معينة أو ما عرف بقانون (AFSPA) والذي يمنح القوات الخاصة المسلحة صلاحيات خاصة في المناطق المضطربة(14)
كل ذلك ساهم في نمو التطرف في الداخل الهندي وخاصة في الأماكن التي شعر خلالها المسلمون بالتضييق والتهميش في أجزاء كبير منها خاصة بعد هدم مسجد بابري وأعمال الشغب في جودرا عام 2002. (15)
على الرغم من وجود التمييز والتحيز وكراهية الإسلام والعوامل الأخرى ذات الصلة منذ عقود في الهند، إلا أنها تتفاقم عمدا من قبل الحكومة الحالية ذات الميول اليمينية. ما ينتج عنه تصاعد وتيرة الغضب جراء تلك الممارسات في ظل تقليص مساحات التعبير، ليشكل ذلك كله عوامل دفع رئيسية ومعقولة للأشخاص للانضمام إلى الجماعات الجهادية بهدف رفع الظلم عنهم (16)
يمكن التأريخ لبداية التحول نحو العنف المضاد من قبل بعض الهنود المسلمين مع تداعيات ابتداء مع هدم مسجد البابري1992 ثم مذبحة غوجارات 2002 -(حين هاجمت مجموعات من الهندوس مجتمع جلبيرج المسلم وأحرقت معظم المنازل بالقرية، وقتل العشرات من بينهم عضو البرلمان الممثل لحزب المؤتمر الوطني الهندي، إحسان جفري)-وكلاهما سبب في إثارة العنف تمثلت في الأنشطة العنيفة للحركة الإسلامية الطلابية في الهند (SIMI) وتشكيل المجاهدين الهنود (IM)، توازيا مع المسببات المجتمعية المتمثلة في ضعف الخدمات المقدمة للأقلية المسلمة مع انتشار آفة الفقر والبطالة والتهميش، فكان لا مفر من أن تؤدي مثل هذه الأحداث إلى صعود الحالة الجهادية أو بمعنى أدق خلق بيئة مواتية للتوظيف الجهادي.(17)
 
محلية الحالة الجهادية في الهند ووعورة اختراقها
من الأمور التي تستدعى مزيدا من التأمل في صيرورة عولمة التيارات الجهادية الإسلامية، أن الهند كجغرافية مستهدفة من قبل الجهاديين على اختلاف تقسيماتهم لم ينجحوا بقدر كبير في أن يحققوا اختراقات تذكر كما هو الحال في جغرافيات قريبه تتشابك معها بقدر كبير في طبيعة المكونات الثقافية والمجتمعية مثل جنوب وشرق آسيا من جهة وأفغانستان وباكستان من جهة أخرى. ويرجع ذلك في جزء كبير منه -كما أسلفنا سابقا– إلى تنوع وتعدد الكيانات الإسلامية وطبيعة الإسلام المحلي “الهندي” الذي شكل أداة منيعة لتثويره أو صبغه باللون الجهادي.
انطلاقا من تلك الزاوية يرى خبراء أمنيون أن التنظيمات الجهادية العالمية (القاعدة وداعش) لفترة طويلة لم تكن حريصة على استهداف شبه القارة الهندية لكونهم ينطلقون من قاعدة أيدلوجية وهابية فكان عليهم أن يخوضوا حرباً على النفوذ مع الجماعات الإسلامية الحنفية، الديوبندية المدعومة من باكستان (مثل حركة طالبان) النشطة بالفعل في المنطقة منذ التسعينيات، والتي كانت لديهم اختلافات عقيدية أساسية معها.
ولعل ما يدلل على صدق تلك الرؤية أن تنظيم القاعدة ورغم التحافه بحركة طالبان “ذات العقلية المستقلة” بدت خلافات كبيرة بين قادة القاعدة والحركة أمثال “أبو قتادة” و”أبو مصعب الزرقاوي” بسبب الاختلافات العقائدية فلم يقبلوا “بإمارة” طالبان على أنها إسلامية (18)
حتى تنظيم الدولة الإسلامية (الذي هو أكثر تشددًا في توجهه الديني من القاعدة) وجد صعوبة في دعشنة الجماعات الجهادية في منطقة أفغانستان وباكستان وكشمير. إذ لم تجد داعش ومن قبلها القاعدة صعوبة في التعبئة والتجييش وكسب أنصار جدد في العالم بقدر ما وجدوه في هذه المنطقة، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت تطرف القاعدة وداعش لم يجد صدى في الهند إلى حد كبير.(19)
 
تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.. (ولاية الهند)..
وعى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” جيدا إلى أن مهمته لن تكون باليسيرة في سعيه لاختراق البنية المجتمعية لمسلمي الهند، وذلك للأسباب التي أجملناها سابقا، ونظرا لكونه خصما عنيدا دعمه تماسك تنظيمه ورغبته في مد ولايات خلافته المزعومة إلى مساحات أكبر وتجذيرها. لم يدخر جهدا في الوصول إلى مسعاه من خلال محاولات تجنيد مسلمي الهند على امتداد تواجدهم في الداخل والخارج . والذين مهدوا فيما بعد أرضية الانطلاق لتدشين ما عرف لاحقا بـ “ولاية الهند”.
أثناء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية القوى في الشرق الأوسط وإعلان خلافته في 2014 وتدشين عواصمه في الموصل العراقية والرقة السورية، ضم أسماء هندية وإن كانت قليلة ضمن صفوفه المقاتلة في الشرق الأوسط، إذ أن مشاركة جهاديين من الهند في المعارك بالعراق وسوريا كانت مفاجأ كبيرة للجميع وخاصة في الداخل الهندي، ويرجع ذلك لعدم وجود تجربة مماثلة في الماضي القريب، دللت عليه الغياب الواضح للهنود عن أعداد “المجاهدين” الأجانب الذين قاتلوا الاحتلال السوفيتي في أفغانستان في الثمانينيات ومن “الإمارة الإسلامية” لطالبان والقاعدة في التسعينيات (20) وهو أمر استحدثه تنظيم داعش ويحسب له في قدرته بالانتقال بالمجاهدين الهنود إلى جغرافية مغايرة خارج حدودهم التقليدية والانقلاب على محلية الجهاد للالتحاق بعولمته.
في ذلك الوقت، أصدر تنظيم داعش مقطعا تسجيليا مصورا معنون بـ(بلاد الهند بين الأمل والألم) بإمضاء الجهاز الإعلامي لما يسمى بولاية حمص، حيث ظهر فيه ثلاثة جنود من مقاتلي الهند، يتكلمون اللغة العربية الفصحى بجانب الإنجليزية والهندية، في بداية المقطع المرئي تحدث الجهادي ـ”أبو تراب الهندي” واصفا شبه الجزيرة الهندية بأنها أكبر معاقل الشرك، بعد أن باتوا يعبدون الشجر والحجر والشمس والقمر، داعيا الهنود إلى الهجرة من هذه الديار الهندية مستنكر ومتعجبا -في أن معا- من بقائهم وسط أهل الشرك من الهنود، مشددا على أن البغض والكفر لتلك المظاهر الوثنية والشركية ليس كافيا بل هجرتها والفرار منها هو التصرف الأقوم، فالرسول بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين(21)-حسب وصفه.
ثم يلتقط جهادي داعشي آخر يدعى “عمر فاروق” أطراف الحديث ليتحدث عن الأسباب التي جعلته يهاجر من الهند إلى أرض الجهاد في سوريا والعراق، مسردا ما لاقته أسرته على أيدي المخابرات الهندية والقوى الأمنية من قمع وتضييق، ما دفعهم إلى الهجرة إلى بلاد خراسان -أي أفغانستان- حسب وصفه، وانضم إلى المجاهدين إلى أن سنحت الفرصة بإعلان خلافة أبي بكر البغدادي، تزامنا مع ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام، ما دفعه إلى ما سماه بالهجرة الثانية للالتحاق بركب الخلافة والجهاد، خاصة مع تصاعد التأييدات والمبايعات في كل من الهند وأفغانستان وباكستان، ما حمسه للانتقال إلى المركز في العراق وسورية (22).
 أما الداعشي الهندي أبو طلحة الهندي فكشف عن زاوية أخرى قد تفيد المتتبع لتحولات مسلمي الهند نحو الجماعات الجهادية، من حيث الأسباب والمسببات التي دفعت نحو ذلك. منتقدا إجبار الهندوس المسلمين على تغيير دينهم وتجرؤهم على الدين الإسلامي وحضرة النبي. (23)
وضعت داعش شبه الجزيرة الهندية بالتزامن مع إعلان ولايتها الجديدة هناك على أعتاب مرحلة جديدة لتلتقطها وتضعها ضمن بؤر وتمركزات تواجدها على الخريطة العالمية والإقليمية والمحلية، فهي بذلك تدق ناقوس الخطر معلنة حالة استنفار داخل البلد، الذي يحوي ملايين المسلمين الغاضبين من سياسات حزب “بهاراتيا” مع إمكانية أن تجتذبهم داعش إلى حظيرتها.
ورغم شح المعلومات الواردة عن الهيكلية التنظيمية لداعش في ولايتها الجديدة بالهند، إلا أن ثمة إفادات تشير إلى أن داعش يلتزم استراتيجية حذرة حتى تمكنه من الانتشار والتمدد بشكل لا يعرقل مساراته، خاصة أن السياق العام القائم بالهند مع وصول رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي إلى السلطة محفزا كبيرا يصب في صالحه في ظل إطلاقه العنان لحزبه وأنصارهم في ممارسة الضغوطات على الأقلية المسلمة وتهميشها، ما يجعل من عودة ظهور الجهاد العالمي والجاذبية إليه الآن إلى الهند أكثر من أي وقت مضى.(24)
وقبيل إعلان داعش عبر وكالة أعماق التابعة لها عن تدشين ولاية الهند كانت الهجمات التي تشنها على القوى الأمنية العسكرية والشرطية وغيرهما، وخاصة في كشمير تقوم تحت إمضاء ولاية خراسان والذي تم إنشاؤه في عام 2015 لتغطية أفغانستان وباكستان والجغرافيات المتاخمة لهما.(25)
اتجه داعش نحو توظيف السوشيال ميديا الهندية للتعبئة وتجنيد مزيد من المسلمين للانضمام إلى صفوفه، إذ لم يمر صعود الخطاب الهندوسي القومي والمعادي للمسلمين في السياسة الهندية في المناقشات المؤيدة لداعش على الإنترنت مرور الكرام . وتنطلق داعش من تلك الأرضية –ما تمارسه المنظمات الهندوسية اليمينية تجاه المسلمين- كأمثلة على ضرورة قيام دولة إسلامية للمسلمين لحماية أنفسهم والدين. وفي عام 2015، عندما توفي زعيم VHP “أشوك سنغال “بنوبة قلبية، احتفل الموالون لداعش على Telegram في الهند بموته. (26)
ويعد أشوك سينغال، أحد كبار قادة حركة فيشوا هندو باريشاد الهندوسية، وكان أحد الشخصيات البارزة في حملة بناء معبد في موقع ديني متنازع عليه في أيوديا، وكان معروفًا بتصريحاته المعادية للمسلمين. وكان حليفا وثيقا لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بزعامة مودي.(27)
 
دواعش الهند المؤسسون
تحاول داعش جذب الأنظار إلى تجربتها الجهادية في الهند من خلال سرد القصص والمرويات عن تجاربها الجهادية وأدوار مقاتليها في سبيل ذلك بهدف جذب المزيد من المتعاطفين في الداخل الهندي، وضمن محاولاتها الرامية لخلق تصور عن التحديات والصعاب التي واجهها “الدواعش الهنود” الذين وضعوا على عواتقهم تدشين “ولاية الهند” بعد مبايعتهم للخليفة ومناصرتهم الخلافة.
فقد أوردت صحيفة النبأ الداعشية الأسبوعية قصة ثلاثة شبان من مسلمي الهند الدواعش حاصرتهم القوات الهندية بأعداد كبيرة في مكان كانوا يتحصنون فيه، وعرضوا عليهم الاستسلام مرات عديدة بعد أن ضيقوا الخناق عليهم ولكنهم أبوا أن يتركوا أسلحتهم ومضوا في مواجهة القوى الأمنية الهندية دون وجل أو خوف، وفق ما جاء بالصحيفة.
كان كل من “أبو الدرداء” و”أبو يحيى الكشميري” و”حسين ساني” من رجالات داعش وجنودها في الداخل الهندي، حيث ينحدر أولهم أبو الدرداء من عائلة متوسطة الحال كانت تقيم في مدينة “سريناغار”الهندية . وتذكر الرواية الداعشية أنه التحق بصفوف المجاهدين في وقت مبكر وهو في الصف الثاني عشر ثم ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وإعلان الخلافة الإسلامية تعرف على منهجها الأمر الذي دفعه نحو المسارعة إلى إعلان بيعته، ومن ثم الانضمام إلى صفوف دولة الإسلام في الداخل الهندي –حسب قوله- وعلى الدرب نفسه سار كل من كان أبو يحيى الكشميري وحسين ساني (28)
 تناولت الصحيفة البعد المجتمعي التأسيسي الذي قاما به كل من أبو يحيى الكشميري وحسين ساني حيث سارا في الداخل الهندي بالدعوة إلى التوحيد والتحريض على الجهاد –حسب ما ورد بالصحيفة – فضلا عن الاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (29)
تسرد الصحيفة قصة الداعشي الهندي أبو يحيى الذي نشأ في منطقة (انشار) بمدينة (سريناغار) والتي جاء فيها كانت عقيدته سليمة برغم أنه نشأ في منطقة يؤمن أغلبها بالديمقراطية والعلمانية، فلم يقبل هو بهذا المنهج الكفري بل كان يناظرهم ويبين لهم أخطاءهم وانحرافاتهم، وكان يذهب إلى مساجدهم ويدعوهم إلى التوحيد).
لاقي أبو يحي جراء ذلك أن تعرض للمضايقات والسجن ولكنه لم يقف واستمر في دعم مقاتلي داعش وقدم لهم يد المساعدة في مرات عدة، وتذكر الصحيفة الداعشية أنه كان بمثابة اليد اليمنى لتنظيم الدولة خلال هجوم (بانداش) الذي قتل فيه جنديان هنديان الأمر الذي دفع مقاتلي الدولة إلى ضمه لصفوفها ومن ثم تم إرساله إلى جنوب كشمير. وبعدها عاد إلى مسقط رأسه مدينة (سريناغار) لتحقيق بعض الأهداف هنالك .(30)
فيما كانت نشأة الداعشي حسين ساني في سيمثان في (بيجبيهارا) جنوبي كشمير، والثلاثة كانوا من السباقين إلى دعم ومؤازرة مشروع الدولة الإسلامية هناك وتعتبرهم داعش من الرعيل الأول الذين رافقوا تأسيس ولاية داعش الهندية .(31)

 
كيرالا، جامو، كشمير.. بؤر التوتر في الداخل الهندي
تعد ولاية كيرالا ذات الأغلبية المسلمة من أهم الولايات الهندية في الجنوب (32) وجمعتها علاقات تاريخية بالخليج العربي من خلال التجارة المتبادلة بين المنطقتين عبر بحر العرب أسهمت بقدر كبير في تهيئة المجتمع المحلي في اعتناق الإسلام بعد ذلك، وكان محل اعتراض من قبل كل من الهندوس ثم المستعمرين لاحقًا سواء كانوا من البرتغاليين أم البريطانيين على حد سواء، وهو ما يفسر لجوء مسلمي جنوب الهند إلى دعم رابطة محمد علي جناح الإسلامية وخلق تضامن إسلامي عام بينها ومنطقة الخليج (33)
جاء إنهاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به المسلمون في ولايتي جامو وكشمير وإلغاء المادة 370 من الدستور الهندي ليصب الماء على الزيت ويضع مستقبل المسلمين هناك – من حيث كونهم الغالبية- على المحك، بعد أن تم تقليم أظافرهم بهذه الإجراءات التي وصفت بالتعسفية وتهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي في هذه المساحة الجغرافية لتشديد الخناق وإحكام الطوق على المسلمين لصالح القومية الهندوسية، من خلال فتح جامو وكشمير أمام غير المسلمين من حيث تمنح التعديلات الدستورية لمن مكث مدة 15 عاما صفة “المقيمين الدائمين” (34) إذ أن الهدف الذي ترنو إليه الحكومة من تلك التعديلات هو تحويل الأغلبية المسلمة في المنطقة إلى أقلية”.(35)
 ارتأت داعش هذه الأوضاع في مجملها وخاصة ما يعانيه المسلمون في كل من جامو وكشمير، مع التوترات بين المسلمين والهندوس منطقة واعدة (36) الأمر الذي دفع الأمم المتحدة في تقرير لها إلى أن تحذر من وجود “أعداد كبيرة” من إرهابيي داعش في كيرالا (37)
وبالفعل تم تسجيل أكثر من 45 حالة من الأنشطة المؤيدة لداعش في ولاية كيرالا، بدءًا من الدعاية عبر الإنترنت إلى السفر إلى الخارج بنية الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ، أكثر من أي ولاية أخرى في الهند.وساهم ارتفاع معدلات البطالة والفقر في الولاية إلى أن تكون مرتعًا للإرهاب والطائفية والتوترات الاجتماعية.(38)
 
إعلام ولاية داعش.. مجلة صوت الهند
يعد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من التنظيمات الجهادية التي أولت الإعلام أهمية خاصة وكان لها السبق في ريادته وفي إطار تموضعها المستحدث في شبه الجزيرة الهندية وتدشين “ولاية الهند” كان من الطبيعي أن تؤسس لآلياتها الإعلامية التي تروج لها في الداخل الهندي .
ففي أوائل عام 2020 نشرت داعش مادة دعائية تستهدف بشكل مباشر مسلمي الهند أطلق عليها “” صوت الهند”، وصدرت النسخة الافتتاحية من مجلة صوت الهند، باللغات الإنجليزية والهندية والأردية والبنغالية.
وتناول العدد الأول في افتتاحيته منشور عنون بـ “”إذن إلى أين أنت ذاهب؟ دعوة لمسلمي الهند “.، متناولا قانون تعديل المواطنة والاحتجاجات التي نشبت على هامشه، وداعيا مسلمي الهند إلى الانضمام إلى الجهاد، ودعت المجلة بشكل مباشر أنصارها إلى القيام بتنفيذ هجمات في البلاد في خضم انشغال القوى الأمنية والعسكرية بمكافحة جائحة كوفيد19.(39)
و أصدرت مجلة ” صوت الهند” إلى وقت قريب ثلاثة أعداد، ركز العددان الأولان على قضية جامو وكشمير والعنف ضد المسلمين في أجزاء أخرى من الهند. فيما احتوى العدد الثالث من المجلة على مقال بعنوان “دعوة للتوحيد والجهاد” نص على أن التغييرات الدستورية الأخيرة في الهند تهدف إلى حرمان المسلمين من حقوقهم. و جعل الهند أمة هندوسية.(40)
تواصل داعش تعزيز نقاشاتها مع مسلمي الهند حول السياقات السياسية والمجتمعية الملتفة بهم من حولهم، ساعية لاستنهاضهم واستثارتهم ضد حكومة مودي الهندوسية، وسياساتها المتشددة تجاه المسلمين . فلا تدخر جهدا ومن خلال “صوت الهند”في دعوتهم انبذ تأييدهم لما تسميه النظام الديمقراطي العلماني والمسارعة نحو إظهار الولاء للخلافة والدولة، فتذكر في إحدى منشوراتها ::يا مسلمي الهند! ألم يحن الوقت لتستيقظوا من سباتكم العميق، ألم تدركوا بعد أن الهندوس الوثنيين لن يسعدوا بكم أبدًا حتى تتخلوا عن دين الإسلام بالكامل؟.
تربط داعش بين الولاء للإسلام ومناصرة الدولة ومبايعتها، وتشكك في إسلام أي فرد يقبل بهذه الوضعية من خلال التسليم بها وهو أمر غير مقبول بالنظر إلى “عدم استعداد” الأغلبية الهندوسية لقبول أي شيء أقل من التخلي عن دينهم من أجل دمجهم في النظام الديمقراطي. (41)
 ما يعني أن الهندوس لن يقبلوا بالمسلمين إلا في حالة واحدة ألا وهى أن يتخلوا عن دينهم طواعية تحت مسميات الديمقراطية والوطنية وغيرها –وفق أدبيات ولاية الهند الداعشية .
أحد المكونات المركزية في دعاية داعش هو الرسائل التي تعزز الانقسام الذي سيؤدي بدوره إلى خلق مخاوف نفسية واجتماعية وسياسية، وفي المقابل يقدم داعش نفسه بمثابة المنقذ (42)
 
الخلاصة 
يمكن القول إن ما لم تستطع الجماعات الجهادية القديمة مثل القاعدة وطالبان تحقيقه في وقت سابق، قد تفلح فيه داعش هذه المرة نظرا للسياقين السياسي والمجتمعي اللذان يختلفان بقدر كبير عن سابقه من حيث ممارسة الأغلبية الهندوسية الكثير من المظالم في حق مسلمي الهند بالإضافة إلى اللعب على ورقة التغيير الديموغرافي التي من شأنها تمكن للهندوس على حساب المسلمين في مشهد قد يفضى بانفجار في البنى المجتمعية الهندية خاصة في الولايات التي كانت إلى وقت قريب تحظى بحكم ذاتي وباستقلال أتاح لها قدرا من الاستقرار والأمن الذي باتت تفتقدهما بعد إلغاء المادة 370 من الدستور .
المصدر: مركز الانذار المبكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English