الطغاة من أقصى درجات ‘الغواية’ إلى أقصى درجات القبح

فتنُ الناس دوماً بأصحاب الشخصيات القوية من الرجال والنساء، وبدافع لا شعوري يمنحونهم ما لا يمنحونه للناس العاديين من الحب والتقدير والاحترام، ومن التبرير حتّى، فالأقوياء محلّ ثقة بالطبع إذ يولّدون انطباعاً بأنهم قادرون على إنجاز ما يعجز عنه الآخرون والسعي نحو أهدافهم بثبات، والتخلّي عمّا لا يستطيع سواهم التخلّي عنه وهذا كلّه يعزز جاذبية الأقوياء ويجعلهم محاطين دوماً بالمعجبين والداعمين والمريدين أحياناً ، يستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن تبلغ تلك القوة حدّاً لا يطاق حمله ولا مواجهته، أو تخرج عن السياق السليم لها لتشكّل عبئاً أو تهديداً، مثلما خرجت غواية القوة التي يمتلكها معظم الطغاة عن مسارها الفاتن لتتحول إلى أعتى أشكال العته والسادية.

فلنقل إنّ معظم الطغاة عبر التاريخ امتلكوا الجاذبية الكافية لسحر الشعوب وحشدها حولهم بادئ الأمر، لكن تولّيهم مقاليد الحكم جعلهم يخفقون بالحفاظ على تلك الجاذبية الآسرة فانقلب السحر على الساحر.

تفرد الكاتبة الفرنسية ديان دوكريه في كتابها “نساء الطغاة”، صفحات كاملة تعرض فيها رسائل غرام كانت تتدفق بشكل يومي لهتلر، إذ لم تخاطب النساءُ، عبر تلك الرسائل رئيسَ الدولة أو صاحب الفكر النازي أو المبدأ المتفوق، بل هتلر الرجل

تفرد الكاتبة الفرنسية ديان دوكريه في كتابها “نساء الطغاة”، صفحات كاملة تعرض فيها رسائل غرام كانت تتدفق بشكل يومي لهتلر، إذ لم تخاطب النساءُ، عبر تلك الرسائل رئيسَ الدولة أو صاحب الفكر النازي أو المبدأ المتفوق، بل هتلر الرجل؛ آملاتٍ بأن يبادلهنّ هتلر الغرام، حيث تؤكد الكاتبة بأنه ” يصعب تخيل الديكتاتور صاحب الشارب القصير رمزاً لمثال جنسي أعلى” إلا أنّ “هتلر تلقى رسائل أكثر مما تلقاه ميك جاغر وفرقة البيتلز مجتمعين” على حد تعبيرها، ففي بعض السنوات استلم المكتب المكلف بمتابعة بريد هتلر اثنتا عشرة ألف رسالة غرامية، وكانت الأوامر الرئاسية تقتضي بأن لا يتم الرد على رسائل المتيّمات بالفوهرر، إلا في حال جاءت إحداهن خصيصاً لرؤيته، حيث تُقابل عندها بردٍّ مقتضب وحاسم من الضباط الذين أوكلت إليهم المراسلات، بأن لا أمل في قيام علاقة غرامية مع الزعيم النازي.

على عكس هتلر، كان موسوليني مولعاً بحالة العشق التي تكنها النساء له، وكانت تصله من3000 إلى 4000 رسالة شهرياً، ولقد ربطت الإيطالياتِ بالدوتشي موسوليني علاقةٌ متينة جداً ، وتقبّل الدوتشي فقط من الإيطاليات اللوم على سياساته أو تصرفاته مثلما تقبل عشقهن له فيما لم يتقبل اللوم من الرجال، وكان يصرّ على الظهور بمظهر الرمز الجنسي المثالي أمامهن ويعتني بلياقته ومظهره حرصاً على غواية معجباته، تقول دوكريه في هذا الشأن “إن البحث عن عيوب عند موسوليني يشبه البحث عن شائبات في تمثال موسى الذي نحته مايكل أنجلو؛ تخضع الدبلوماسية وكذلك السياسة في قانون الدوتشي الرئيسي إلى التأثير في الغير وإغرائه”.

أما الغواية عند ستالين فكانت من نوع آخر حسب دوكريه : “كيف يمكن أن يغوي أكاترينا الجميلة هذا الوغد القصير القامة ذو الوجه الموسوم بالجدري؟ وجواب السؤال: ” امتلك ستالين وسيلة سرية: كان رومنطيقياً، ينظم القصائد ويلقيها لحبيبته”.

في بعض السنوات استلم المكتب المكلف بمتابعة بريد هتلر اثنتا عشرة ألف رسالة غرامية، وكانت الأوامر الرئاسية تقتضي بأن لا يتم الرد على رسائل المتيّمات، إلا في حال جاءت إحداهن خصيصاً لرؤيته

لكن، كيف أصبح الطغاة على هذه الشاكلة أو من “فرعنَ فرعون”؟ أو لم يكن هتلر رسّاماً ومتأنقاً قبل أن يصبح الرمز الأكبر للوحشية، وستالين كاتباً للقصائد وموسوليني مثقفاً ومتقناً لعدة لغات وبارعاً في المقالات الصحافية؟ كيف غابت تلك الملامح العالية الرهافة من شخصياتهم ليحل محلها العنف والقسوة والدموية؟

يرى غوستاف لوبون أنّ “الجماهير بِغضّ النظر عن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية بحاجة لأن تخضع لقيادة محرك لا يقنعها بالمحاججات العقلية والمنطقية وإنما بفرض نفسه عليها بالقوة، كما أنه يجذبها ويسحرها بواسطة هيبته الشخصية كما يفعل الطبيب مع المنوّمين مغناطيسياً”.

 الجماهير إذن؛ وربما الظروف التاريخية، فلقد ساهمت بجعل الطغاة رموزاً مقدسة في بعض المرّات وهذا ما يفسّر، على سبيل المثال، تحوُّل الامبراطور الوثني “قسطنطين” إلى قديس في الكنيسة الشرقية، الكاثوليكية والأرثوذوكسية، رغم الحروب الأهلية التي خاضها في حياته وقتل فيها العديد من أبناء الامبراطورية الرومانية خلال المعارك التي قادها ضد “ليسينيوس” و”مكسنتيوس” ليصبح الحاكم الأوحد للإمبراطورية الرومانية.

 

الحروب رغم وحشيّتها وآلاف المجازر المرتكبة محرّك أساسي للتقدم البشري، فحاجة الإنسان لحماية نفسه وأرضه دفعته لتطوير الصناعات الثقيلة، ومنافسة أقرانه له جعلت أمر التفوّق مسألة ملحّة، وكثير من الإرث البشري الذي تعتز به الأقوام بُني لدوافع حربية تارة ولتمجيد الملوك أحياناً أخرى وكلّف ملايين الأرواح، فسور الصين العظيم؛ الأعجوبة البشرية، هو أكبر مقبرة على سطح الأرض، دفنت تحته جثامين العمال الذين قاموا ببنائه. كلّف بناؤه مليون صيني، ويعتقد هيرودوت أن بناء الأهرام كلّف مصر حياة مائة ألف عامل.

على عكس هتلر، كان موسوليني مولعاً بحالة العشق التي تكنها النساء له، وكانت تصله من3000 إلى 4000 رسالة شهرياً، ولقد ربطت الإيطالياتِ بالدوتشي موسوليني علاقةٌ متينة جداً ، وتقبّل الدوتشي فقط من الإيطاليات اللوم على سياساته

الحروب أيضاً محاكم تاريخية؛ ففيها قد يُنصّب طاغية ما محرِّراً، وطاغية آخر قدّيساً، وطاغية في جغرافية أبعد فاتحاً، وقد تلقِّب طاغية، في ملابسات مختلفة، بالهمجي المتوحش، وإنّ هذا الفرق في التنصيب منوط بالظروف التاريخية وبالجغرافية بقدر ما هو منوط باختلاف الشعوب التي توصّف الطاغية، فمن تنتصر الشعوب معه محررٌ وبطلٌ وقديس، ومن تُهزم معه جبانٌ وأرعن، ومن يهزمها جزّار ومتوحش ومحتل.

وبناء على هذا التقييم النسبي للحكام والأباطرة والزعماء، يحقّ لكثير من الشعوب التي دفعت أثمان حروب باهظة في الشرق الأوسط ودول العالم الثالث أن تنظر ليس لحكّامها فقط على أنهم طغاة، بل كذلك لقادة العالم المتقدم، رغم أنظمة حكمهم الديموقراطية، فصحيح أنهم يحكمون بلادهم بالأسلوب الأكثر تحضراً وفق الرؤية السياسية المعاصرة، إلا أنهم يؤسسون لحروب العالم الأضعف ويصنعون السلاح ويبيعونه لطغاته ويجندون مخابراتهم وإمكانياتهم وإعلامهم لجعل الحروب تدوم فترة أطول طالما أنها تضمن لهم المكانة الاقتصادية والسياسية الملائمة.

في الميثولوجيا الدينية يسجد الجميع للإله ما عدا إبليس، وفي مسرحية كاليجولا لألبير كامو، يسجد الجميع للطاغية إلا سيبيون الشاعر؛ مع ذلك نجا سيبيون من انتقام كاليغولا وإعداماته المروعة والعشوائية والجمعية، ربّما لأنه لعب دور الضمير الذي احتاجه كاليغولا في لاوعيه، فالشاعر سيبيون هو الوحيد الذي تجرأ واعترض على تجديف كاليجولا في الفعل والكلام، وهزأ بمسألة اعتبار الامبراطور الروماني المختل لنفسه إلهاً، في الوقت الذي كان يتملّقه الجميع ويقدسه الجميع؛ محبوه وكارهوه، يثنون على أعماله الخرقاء وينصاعون له رعباً وتحسّباً وتزلفاً، وأحياناً خبثاً، وهذا ظهر في أحد مشاهد المسرحية على لسان “شيريا” النبيل أحد أفراد الحاشية حين قال : “لندع كاليجولا يسير بنفسه على هواه بل ينبغي أكثر، علينا أن ندفعه إلى المزيد دفعاً؛ لنصفق لجنونه هذا وسوف يصل اليوم الذي يصبح فيه وحيداً أمام البلاد المسكونة بالموتى وأقرباء الموتى”!

الغواية عند ستالين كانت من نوع آخر حسب دوكريه : “كيف يمكن أن يغوي أكاترينا الجميلة هذا الوغد القصير القامة ذو الوجه الموسوم بالجدري؟ وجواب السؤال: ” امتلك ستالين وسيلة سرية: كان رومنطيقياً، ينظم القصائد ويلقيها لحبيبته”

هل لم يبق حل للتخلص من الطاغية إلا بِحثّه على المزيد من الطغيان؟ يا للمأزق الكبير!

 

في علم نفس الأطفال معلومة تفيد بأن الطفل يحتاج إلى شخص يرسم له الحدود ويبين له التصرف السليم من التصرف الخاطئ، ولولا هذا التحديد والتمييز لأصبح الطفل منفلتاً عصبياً مزعجاً وحاد الطباع، وهذا المنطق، بشكل ما، ينسحب على الكبار فيما لو أمعنا التفكير بالأمر، فبغياب المراجعة الذاتية المتمثلة بالضمير والمبادئ الشخصية وبغياب الرقيب الذي نوقّر ونُجلّ سوف نصبح أحراراً كما يليق بحيوانات دغل بدائي، حيث قدرتك على القتل وسفك الدم، حقيقةً ومجازاً، تضمن بقاءك على قيد الحياة، ولطالما كان هذا الرقيب متوفراً عبر التاريخ لكل واحد منا، فكان عند البعض إلهاً وثنياً أو سماوياً، وعند البعض الآخر مبدأً وفكرةً نبيلة، وعند البقية الباقية القانونَ المحمي بالقوة، مع ذلك نلمس بذور النزعة الطاغية لدى الكثيرين ممن نعرفهم من الناس العاديين.

“يا للغرابة عندما لا أمارس القتل أشعر بالوحدة! “

فثمة طاغية في الأب المتسلط وفي الأم القاسية ورب العمل الذي لا يرحم، وفي المتعصب لدين أو لطائفة أو لحزب أو لعرق أو لتوجه سياسي رغم ادعاء كل من سلف ذكره بأنه يحمل رسالة سامية، ولطالما برز الوجه الآخر لمن يدّعون حمل رسالات سامية، حين تطلب الأمر القصاص من أعدائهم، والتاريخ حافل بضحايا الرسالات السامية بمختلف أشكالها وشعاراتها وإحداثياتها الجغرافية؛ فقط ، كان يكفي أن يستلم بعض المبشرين بها السلطةَ كي يولد منهم طغاة جدد، فعلى رأي كاليجولا ذاته في أحد مشاهد المسرحية:

  “يا للغرابة عندما لا أمارس القتل أشعر بالوحدة! السلطة، إنها تعطي للمستحيل حظوظاً”.

عبير سليمان

المصدر: raseef22

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English