الاقتصاد الرقمي ضمانة نجاح التنمية في المنطقة

على الرغم من التحديات التي واجهها قطاع الأعمال والمؤسسات الحكومية في دول منطقة الشرق الأوسط خلال العام 2020 بسبب جائحة كورونا، هناك ما يدعو للتفاؤل بوجود نتائج إيجابية للأزمة تجسّدت بتسارع وتيرة التحول الرقمي ضمن العديد من القطاعات، إذ اقتضت الحاجة خلال العام المنصرم نشر العديد من الابتكارات التقنية أكثر من أي وقت مضى.

شهد العام الماضي تزايد اعتماد المستهلكين في الشرق الأوسط على تقنيات الاتصال في العديد من المجالات سواء الرعاية الصحية أو التعليم والبيع بالتجزئة والأعمال التجارية. وأصبحت استراتيجيات التحول الرقمي أحد أهم أسس نجاح المؤسسات في مساعي توفير الخدمات ومواكبة متطلبات المجتمعات التي تزداد اتصالاً. وأشار العديد من مسؤولي الشركات إلى أن اعتماد شركاتهم على التقنيات الرقمية قد ازداد خلال أشهر قليلة بمعدل كان من الممكن أن يستغرق من ثلاثة إلى أربعة أعوام أو ربما أكثر من ذلك، وتوصل استطلاع أجرته شركة “كي بي ام جي” صيف العام 2020 وشمل العديد من الرؤساء التنفيذيين إلى أن الأزمة ساهمت في دفع جهود التحول الرقمي بنسبة 75 في المئة ضمن الشركات، مما أدى إلى ابتكار نماذج تشغيل من “الجيل القادم” Next Generation كان من الممكن أن تستغرق أعواماً حتى يتم تنفيذها.

عززت الأزمة أيضاً مسارات رفع مستويات الاعتماد على التقنيات الرقمية بطريقة لم يسبق لها مثيل، وينتظر مجتمع المال والأعمال وجمهور المستهلك من الدول والشركات والمؤسسات خلال العام 2021 بذل المزيد من الجهود لنشر الابتكارات التكنولوجية التي تسهم في انتعاش الأعمال والمساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، ولا يزال مقدمو الرعاية الصحية والشركات والمؤسسات الحكومية وغيرها من القطاعات يبحثون عن طرق جديدة تتيح لهم مواصلة أعمالهم وتوفير خدماتهم إلى العملاء على أفضل وجه ممكن بالتماشي مع ظروف الواقع الجديد. وكما قال سونيل غوبتا، أستاذ إدارة الأعمال في مدرسة هارفارد للأعمال، فإن “الأزمات تؤدي إلى إحداث تغييرات كبيرة في حياتنا وتسهم في تعزيز الابتكارات”، وبالتالي ينبغي على الشركات اليوم أن تستغل الفرصة لمراجعة الخطط التي تتبعها وإعادة تقييم عملياتها وخدماتها بما يتماشى مع الواقع الجديد.

وبحسب شركة البيانات الدولية “آي دي سي” IDC، ستُسهم التقنيات الرقمية بما يصل إلى 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في حلول العام 2022، وبالتالي فإن “الاقتصاد الرقمي” سيتجاوز المفهوم التقليدي له ولن يقتصر على قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات فحسب، بل أصبح يشمل العديد من الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على البنية التحتية الرقمية والمعلومات كعوامل أساسية للإنتاج وتحقيق القيمة، حيث تمّ تصميم البنية التحتية الرئيسية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس – على سبيل المثال – للاستفادة من الابتكارات الرقمية المخصصة التي يتم نشرها في مختلف القطاعات على نطاق واسع. ويتم الاعتماد على هذه التقنيات لدعم عمليات الإنتاج الأساسية وأنظمة الإدارة لتحسين الكفاءة والنوعية وتعزيز القدرات التنافسية.

ويؤدي الجيل الخامس من الشبكات على وجه الخصوص دوراً أساسياً في دفع عجلة التحول الرقمي لتحقيق التعافي الاقتصادي في الشرق الأوسط بفضل زمن “الاستجابة” Latency المنخفض والكفاءة التشغيلية العالية والقدرات الكبيرة التي يمكن الاعتماد عليها ضمن مختلف القطاعات والصناعات.

ولإدراك إمكانات الجيل الخامس كتقنية تسهم في تمكين التنمية الاقتصادية، ما علينا سوى أن نتذكر إسهامات النطاق الترددي لشبكات الهاتف المحمول من الجيل الرابع والتي تم إطلاقها قبل عقد من الزمن في فترة الركود الاقتصادي العالمي، حيث تمكنت الشركات من تعزيز أعمالها بفضل ابتكارات وتطبيقات الهواتف الذكية التي شهدت نمواً كبيراً بفضل تقنية الجيل الرابع. أما في الوقت الحالي، فإن الجيل الخامس لا يُسهم في توفير سرعات تفوق الجيل الرابع بما يصل إلى 100 مرة فحسب، بل يوفر إمكانية نقل البيانات بسرعة تزيد بنحو 20 إلى 30 مرة عن الجيل الرابع بالإضافة إلى كفاءته التي يمكن الاعتماد عليها، وأهم من ذلك إمكانات دمجه وتكامليته مع العديد من التقنيات الثورية الجديدة كالذكاء الاصطناعي والسحابة الالكترونية. فإذا كان الجيل الرابع قد ساهم في تغيير خدمات الأفراد، فإن الجيل الخامس سيسهم في تغيير الأعمال والمجتمعات بأكملها.

وإذا كان الجيل الرابع قد ساهم في إطلاق تطبيقات الهاتف المحمول التي ساهمت بدورها في الخروج من الأزمة الاقتصادية، فإن الجيل الخامس سيفتح آفاقاً جديدة للعديد من التحولات في أعمالنا ومجتمعاتنا بطريقة لم نشهدها من قبل، وستسهم تقنيات الاتصالات التي تعتمد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتخصصة بتعزيز الأعمال في مختلف القطاعات، وهذا سيمكّن التقنيات من نشر خدماتها بشكل أكبر وتحقيق المزيد من الإيرادات وإطلاق ابتكارات جديدة لم نشهد لها مثيلاً من قبل. وهنا يبرز جلياً دور الاقتصاد الرقمي في دفع عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية وزيادة معدلات النمو في بلدان المنطقة بما يفوق جميع القطاعات الاقتصادية التقليدية.

واليوم، تبرز أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وقدرات الجيل الخامس والنظام الإيكولوجي الرقمي الشامل والمتكامل في دول المنطقة. ففي إطار الجهود المبذولة لتعزيز الاقتصاد الرقمي، توفّر الحكومات التوجيه والدعم لمختلف القطاعات من خلال توفير رأس المال ورعاية المواهب واتباع سياسات ضريبية ملائمة وإطلاق العديد من البرامج، مما يسهم في توفير بيئة ملائمة لنشر التقنيات الرقمية بشكل أكبر، ويمكن للاستثمار في البنية التحتية الرقمية والاقتصاد الرقمي أن يُسهم بعودة الانتعاش الاقتصادي ويعود بأرباح كبيرة في العام الحالي والأعوام التي تليه، ويقدم إسهامات كبيرة تتماشى مع متطلبات الفترة الحالية، سواء من خلال تعزيز خدمات الرعاية الصحية أو مواصلة العملية التعليمية وتمكين الوصول إلى الخدمات الرئيسية التي يوفرها القطاعان العام والخاص بشكل سلس.

يتمتع الاقتصاد الرقمي بدور مهم في بناء “مجتمعات ذكية” تعزز قدرات جميع الجهات الفاعلة، والسلطات العامة، والحكومة، ومشاريع الأعمال، والمواطنين. ولا تقل ثورة الاقتصاد الرقمي أهمية عن الثورات الصناعية السابقة، وينبغي أن تحرص دول المنطقة على الاستفادة مما تزخر به من قدرات بشرية وشباب مبدع، وموارد طبيعية، وبنى تحتية وموقع جغرافي محوري، للتحوّل للمضي باقتصاداتها نحو الرقمنة. 

مسارات العمل تبدأ بتحديد المجالات ذات الأولوية في الاقتصاد الرقمي، وإعداد خطط عمل رقمية على المستوى الوطني لتسهيل الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي، ما يساعد بدوره على معالجة العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ويعطي روحاً جديدة للأعمال ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تنشدها بلدان المنطقة.

تشارلز يانغ

رئيس هواوي في الشرق الأوسط

المصدر: أولاً 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English