ما الذي عزّز دور روسيا عالمياً رغم ضعفها الاقتصادي؟

منذ بداية التسعينيات شهد النظام العالمي تحولات جذرية نتج منها الانتقال من الثنائية القطبية إلى القطب الواحد بعد انهيارالاتحاد السوفياتي.أصبحت روسيا خلال تلك الاعوام أشبه بالرجل المريض، حيث كانت تتخبط داخلياً وذات نفوذ محدود خارجياً، ما فتح المجال أمام القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة الاميركية لاستغلال هذا المرض وتحويله إلى مزيد من مكامن النفوذ عالمياً. ولكن سرعان ما تمكنت روسيا من استعادة دورها كقوة كبرى بعد ان كانت دولة تابعة لأميركا خلال فترة بوريس يلسن (1991-2000)، فما الذي مكّنها من العودة رغم ضعفها السياسي والاقتصادي

خلفيّة

تبلغ مساحة روسيا حوالى 17 مليون كلم مربع وعدد سكانها نحو 140 مليون نسمة، تتألف من 21 جمهورية فدرالية اتحادية، ويوجد درجات فدرالية مختلفة مثل استقلالية موسك وسانت بيترسبرغ.

الاقتصاد الروسي لا يوازي موقعها السياسي، فإنتاجها المحلي حوالى 1.7 تريليون دولار (الصين 14 ترليون). رغم وجود موارد غنية مختلفة، فهي أكبر منتج للنفط وثاني أكبر مصدّر بعد المملكة العربية السعودية، ولديها أكبر احتياطي للغاز، فحوالى خمسين في المئة من إجمالي الموارد الميزانية الروسية من الطاقة و77 في المئة من الصادرات ترتكز على الطاقة، فهذا يدل على مدى اعتماد الاقتصاد الروسي على تصدير السلاح والطاقة ما يضعها في خانة الارتهان على أسعار النفط العالمية. إضافة إلى ذلك هي أكبر مصدّر للحبوب في العالم ولكن مرتبتها في الاقتصاد العالمي تأتي في الرقم 11.

أحد المؤثرات السلبية على الاقتصاد الروسي هو عامل الطقس (إقفال الموانئ على سبيل المثال) وعامل عدد السكان حيث يعدّ منخفضاً ما يؤثر على الانتاج والاستهلاك، ويؤدي إلى عدم اقتحام السوق العالمية على صعيد الانتاج الالكتروني وغيرها من الصناعات.

أما المؤثرات الإيجابية فهي تمتلك أكبر طاقة علماء في العالم، وعشرات العلماء حازوا على جوائز نوبل في اختصاصات مختلفة، فهي اول دولة صعدت إلى الفضاء اضافة إلى الحس الوطني والانتماء في روسيا، حجم الانفاق لروسيا السادسة عالمياً ولكن من إيجابياتها ترشيد الانفاق بطريقة جيدة.

روسيا بين عامي 1991 – 2000

بعد انتهاء الحرب الباردة واضمحلال الاتحاد السوفياتي انتخب بوريس يلتسن اول رئيس لروسيا الاتحادية عام 1991 حيث ورث حقبة تحول من نظام القطبين إلى نظام عالمي جديد مبني على الرأسمالية.

هذا الواقع فرض على يلتسن الاندماج بهذا النموذج، وألزمه باتخاذ إجراءات درامية منها خفض الميزانية، تحرير الاسعار، رفع الدعم وخصخصة القطاع الاقتصادي، ما أدى إلى ارتفاع التوتر السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإلى انخفاض الانتاج بالقطاع الزراعي والصناعي، فانخفضت الصادرات الروسية 50 في المئة وأصبحت تستورد 70 في المئة من المواد الغذائية، وبلغ العجز حوالى مئتي مليار دولار.

اما على الصعيد السياسي، فمع المتغيرات السياسية الدولية اضافة إلى التوترات السياسية الداخلية، وقناعة يلتسن بأن روسيا دولة غربية أدت إلى الالتحاق بالقطب الاميركي وخاصة أنه كان بحاجة إلى الدعم الخارجي، فبقت روسيا كذلك حتى مجيء بوتين رئيساً للجمهورية عام 2000.

روسيا وبوتين

ورث بوتين عام 2000 مرحلة ثقيلة جداً على الصعيدين السياسي والاقتصادي. بدأ منذ توليه السلطة بالإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلي مكّنه من التخلص بنسب كبيرة من سيطرة المافيا، ومن تحقيق الاستقرار الداخلي، وحلّ مشكلة رئيسية تختص بالأمن القومي وهو موضوع الشيشان.

ففي نهاية عام 2001 كان أفضل أداء للاقتصاد منذ التسعينيات ما أدى إلى جلب الكثير من الاستثمارات، أما اليوم فروسيا في المرتبة 11 اقتصادياً على الصعيد العالمي وكانت في مرتبات افضل خلال فترة غلاء اسعار النفط عالمياً.

أما على الصعيد السياسي، فتمكن بوتين من تفعيل دور روسيا عالمياً، واستطاع من إظهار طاقتها وتفعيل نقاط قوتها مثل الواقع الجيو- سياسي، العسكري، التكنولوجي والطاقوي، ما سمح له بمزاحمة الدول العظمى في مناطق جغرافية مختلفة قريبة وبعيدة عنها (شرق اوروبا،اسيا وأفريقيا). تبنى بوتين في العلاقة مع الغرب منطق الشراكة لا الحلف، أي مبنية على المصالح المشتركة.

روسيا اليوم

ما يؤرق الامن القومي الروسي هو أسعار النفط حيث يرتكز الاقتصاد الروسي على الطاقة وموضوع التطرف والاعمال الارهابية. أما في المقلب الآخر فروسيا تسعى جاهدة لفرض نفسها في السياسة العالمية وتسعى لنظام عالمي متعدد الاقطاب مثل الصين. وتعتبر روسيا ان البداية تكون من تزّعم منطقة أوراسيا فيمكنها عندئذ من فرض قرارها دولياً.

تعتمد روسيا على منطق القوة الناعمة في المرحلة الحالية، وهي وسيلة مختلفة عن طريقة الاتحاد السوفياتي المرتكزة على بناء قواعد عسكرية، أما على الصعيد الاقتصادي فتعمد إلى توسيع علاقاتها من خلال دخول منظمات مختلفة مثل شانغهاي ورابطة الدول المستقلة اضافة إلى اتفاقات جانبية مع دول مختلفة مثل الصين والهند واليابان.

ولكن لكي تصل روسيا إلى ما تصبو إليه، عليها مواجهة معضلات مختلفة، وبقدر ما تتمكن من تخفيف تأثيرها بقدر ما تنافس أكثر مستقبلياً، مثل فرض نفوذ غربي سياسي في الدول المجاورة لها، حلّ المعضلات الاقتصادية حيث ارقام التضخم تزداد وسعر النفط ينخفض لأسباب مختلفة، حلّ المعضلة السكانية إذ من المتوقع عام 2050 ان يصبح عدد سكان روسيا 22 مليوناً فقط، اضافة إلى المعضلة الأمنية وهي الوجود الاميركي والناتو بالجوار، إضافة إلى المعوقات الامنية الداخلية مثل تفعيل المعارضة الروسية وموضوع الشيشان وارتفاع معدل الجريمة في موسكو.

المصدر: النهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English