مصر تعيد ضبط العلاقات مع ليبيا لقطع الطريق على التغلغل التركي

بدأت مصر في إعادة ضبط العلاقات مع كل المكون الليبي بشقيه الغربي والشرقي بعد سنوات من التوتر مع السلطة في غرب البلاد التي تقودها حكومة الوفاق المدعومة من تركيا وقطر، وذلك ضمن عودة قوية دبلوماسيا واقتصاديا وسياسيا لجهة تحصين الساحة الليبية من التدخلات التركية ولكبح تمدد بات يشكل خطرا على الأمن القومي العربي.

ولمصر صاحبة الثقل الجغرافي والسياسي القدرة على ولوج الساحة الليبية بلا عوائق فما يجمعها بليبيا أكثر مما يفرقهما على خلاف التسلل التركي الذي أجج الانقسام وقوض في السابق كل فرص التسوية السلمية للأزمة.

وعلى مسار إعادة ضبط العلاقات، أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في لقاء مع رئيس الوزراء الليبي المنتخب عبدالحميد دبيبة في القاهرة الخميس دعم مصر للشعب الليبي خلال هذه المرحلة الانتقالية لاستكمال آليات إدارة بلاده.

وجاء في بيان للمتحدث باسم الرئاسة المصرية نشر على صفحته بفيسبوك أن السيسي “شدد على حرص مصر للاستمرار في دعم الشعب الليبي لاستكمال آليات إدارة بلاده وتثبيت دعائم السلم والاستقرار لصون مقدراته وتفعيل إرادته”.

وتحتاج ليبيا إلى دعم عربي لتعزيز المصالحة ولإعادة بناء الدولة وتوحيد المؤسسات بحكم العلاقات التاريخية والثقافية والدينية وبحكم القرب الجغرافي، لكن الغياب العربي عن الساحة الليبية في السنوات الأخيرة جعلها فريسة للتدخلات الأجنبية.

وبحسب بيان الرئاسة المصرية أكد السيسي، استعداد مصر “لتقديم كافة خبراتها وتجربتها في خدمة الأشقاء الليبيين بما يساهم في وضع ليبيا على المسار الصحيح”.

ولزيارة رئيس الوزراء الليبي الجديد لمصر دلالات سياسية مهمة في توقيتها ومضامينها، فهي تأكيد على الدور المصري الوازن في تعديل التوازنات بالمنطقة وأيضا تذكير بارتباط ليبيا بعمقها الجغرافي وحضنها العربي.

وليس واضحا ما إذا كانت زيارة دبيبة للقاهرة رسالة لتركيا أم هي مجرد صدفة وبلا تخطيط، قادت رئيس الحكومة الانتقالية إلى مصر.

وفي كل الأحوال فإن حرص مصر على التواصل مع كافة المكون السياسي الليبي خطوة مهمة لفتح قنوات التواصل والبحث عن ترتيب الوضع بما يكبح التدخلات الأجنبية في الساحة الليبية التي تبدو هشة أمنيا ومعرضة لهزات سياسية بفعل الوجود التركي.

وتأتي زيارة دبيبة إلى القاهرة بعد أقل من أسبوعين على إعلان الأمم المتحدة انتخابه رئيسا للوزراء للفترة الانتقالية في ليبيا تمهيداً للانتخابات المقررة في كانون الأول/ديسمبر.

ولم يكن متوقعا فوز قائمة دبيبة على تلك التي تشمل وزير الداخلية القوي في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا ورئيس البرلمان عقيلة صالح.

والشهر الماضي، اجتمع الأطراف الليبيون في مدينة الغردقة المصرية المطلة على البحر الأحمر واتفقوا على إجراء استفتاء حول الدستور قبل الانتخابات.

وحاليا يطبّق في ليبيا المنقسمة بين سلطتين متنافستين، إعلان دستوري مؤقت أقرّ عام 2011.

ومن المفترض أن تضع الجولة الأخيرة من محادثات الغردقة المقررة الشهر الحالي، الأسس القانونية لتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.

ومنذ 2011، تشهد ليبيا التي تملك أكبر احتياطي نفط في إفريقيا نزاعا بين سلطتين واحدة في الشرق رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق لأنها لم تنقل ثقة البرلمان الليبي في طبرق (برلمان منتخب ديمقراطيا) والثانية في الغرب بقيادة فايز السراج والتي تعترف بها الأمم المتحدة وتدعمها تركيا وقطر.

وأجج التدخل العسكري التركي الانقسامات والصراع المسلح ضمن خطة تستهدف إيجاد موطئ قدم واستثمار الفوضى الأمنية والفراغ الذي أحدثه الغياب العربي عن الساحة الليبية، للتمدد ضمن ما يراها سياسيون عرب، إحياء للأطماع العثمانية في بلد يعتبر بكل المقاييس وبوقعه الجغرافي بوابة لإفريقيا عامة وللمنطقة المغاربية خصوصا وأيضا منفذا بحريا مهما لأوروبا.

ومصر من ضمن الدول التي يثير التمدد التركي قلقها، حيث ترتبط بحدود ممتدة مع ليبيا وهي على خلاف كبير مع تركيا بسبب دعم الأخيرة لجماعات الإسلام السياسي ومن ضمنه جماعة الإخوان المصنفة تنظيما إرهابيا في مصر ودول خليجية.

مصر تحتفظ بعلاقات جيدة مع المشير خليفة حفتر وتأمل في تحصين المصالحة بين شرق وغرب ليبيا

وتُفسر موافقة البرلمان المصري في يوليو من العام الماضي على قيام الجيش بـ”مهام قتالية” في الخارج، ما يعني تدخلا عسكريا محتملا في ليبيا، بعد إعلان مجلس النواب الليبي المؤيّد لقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر أنّه أجاز لمصر التدخّل عسكريا في ليبيا “لحماية الأمن القومي” للبلدين.

وجاءت التهديدات المصرية بعدما صدت حكومة الوفاق الوطني في العام الماضي بدعم عسكري تركي، هجوما استمر لمدة عام شنته قوات حفتر التي أطلقت في أبريل من العام 2019 عملية عسكرية عنوانها تطهير العاصمة طرابلس من الميليشيات والجماعات المتطرفة.

وتسعى مصر لتعزيز العلاقات مع ليبيا على ضوء التطورات الأخيرة بانتخاب رئيسين جديدين للمجلس الرئاسي ولرئاسة الحكومة لتهيئة الأرضية لمرحلة انتقالية يجري خلالها التحضير لانتخابات رئاسية في 24 ديسمبر القادم كخطوة على مسار إعادة بناء الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها وحصر السلاح بيد الدولة.

وضمن مسار إعادة ضبط العلاقات المصرية الليبية، كان لزاما على القاهرة أيضا أن تعيد تنشيط الدبلوماسية السياسية والاقتصادية وقد بدأت بالفعل الترتيب لإعادة فتح سفارتها في طرابلس.

وبعد توقف لـ 16 شهرا، أعلن رئيس سلطة الطيران المدنى المصرية أشرف نوير اليوم الخميس المصادقة على استئناف الخطوط الجوية الليبية رحلاتها بين مصر ومطار برج العرب غرب الإسكندرية بداية من تاريخه.

وقال نوير إن “عودة رحلات الخطوط الجوية الليبية مع مصر سوف يبدأ من اليوم انطلاقا من مطار بنينا في بنغازي، إلى مطار برج العرب في الإسكندرية، حيث تصل أول رحلة عصر الخميس على أن يتبعها في الأسبوع القادم انطلاق رحلات الشركة من مطار معيتيقة بطرابلس إلى برج العرب وذلك بعد توقف رحلات الخطوط الليبية منذ نوفمبر 2019.

وصرحت مصادر ملاحية مصرية مطلعة بأن جدول الرحلات سيكون من بنغازي إلى الإسكندرية خلال أيام الأحد والأربعاء والخميس، أما طرابلس، فستكون خلال أيام السبت والثلاثاء والخميس (عن طريق بنغازي) .

ورحلات شركة الطيران ‘الأفريقية للطيران’ التابعة للحكومة الليبية مستمرة بين مصر وليبيا ولم تتوقف بينما أوقفت الخطوط الليبية رحلاتها إلى مصر على خلفية إجبار إحدى طائراتها المقلعة من مصراتة (غرب) على الهبوط في مطار بنينا الدولي بمدينة بنغازي (شرق) من قبل قوات المشير خليفة حفتر.

المصدر: أحوال تركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English