“التطبيع الخليجي” أيقظ طموحات يهود العراق باستعادة جنسيتهم

في أعقاب اتفاقيات “إبراهيم”، يزداد الأمل لدى جالية اليهود العراقيين في احتمال عقد اتفاقية سلام، على رغم أن التطورات والمؤشرات لا تظهر إمكان حصول ذلك في المدى القريب.

ليندا منوحين عبد العزيز. كان اسمها في العراق ليندا يعقوب إبراهيم عبد العزيز. تغير بعد “هجرتها” إلى إسرائيل.

ليندا هي واحدة من الفاعلات في برامج التواصل مع العراق، وهو برنامج يرى أن “من حق اليهود العراقيين الحصول على الجنسية العراقية وزيارة العراق والمشاركة في الانتخابات هناك”.

وليندا ناشطة وصحافية، وحاولت استكشاف مصير والدها الذي اختفى في العراق في السبيعينات من القرن الماضي بعدما خطفه نظام صدام بعد فرارها إلى إسرائيل بقليل.

وثقت قصة والدها بعنوان “طبيب في بغداد” عام 2013.

لم تفقد تواصلها مع العراق، على رغم مرور سنوات طويلة على وجودها في إسرائيل. تقول ليندا في تصريحات لوسائل إعلام إسرائيلية: “العراقيون يتأثرون وتدهشهم حقيقة أن اليهود الذين فروا من العراق إلى إسرائيل يتمسكون بتاريخهم ويثمنون ثقافتهم”.

ويهود العراق من الشتات اليهودي الأقدم، إذ يعود تاريخ وجودهم في البلاد إلى أكثر من 2500 عام. لكن خلال القرن الماضي وبسبب تصاعد التوتر في المنطقة وقيام دولة إسرائيل، فر معظمهم وصودرت ممتلكاتهم وتلاشت فرصة عودتهم إلى العراق.

219 ألف يهودي من أصل عراقي في إسرائيل يشكلون أكبر مجموعة لليهود من أصول آسيوية.

عام 1948، كان عدد اليهود الموجودين في العراق 150 ألف شخص، لكن بعد ثلاث سنوات من قيام إسرائيل كان 96 في المئة منهم قد رحلوا. وهاجر من تبقى منهم بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

تشير إحصاءات رسمية إسرائيلية إلى وجود 219 ألف يهودي من أصل عراقي في إسرائيل يشكلون أكبر مجموعة لليهود من أصول آسيوية.

تعتبر جالية اليهود العراقيين الذين فروا إلى إسرائيل، الأكثر تواصلاً مع العراقيين في بغداد وغيرها من البلدات هناك، وعلى مدار سنوات أنشأوا مجموعة افتراضية مشتركة على مواقع تواصل اجتماعي، عبّر من خلالها الطرفان عن الرغبة في اللقاء والتواصل.

في هذه الأيام، وفي أعقاب اتفاقيات “إبراهيم”، يزداد الأمل لديهم في احتمال عقد اتفاقية سلام، على رغم أن التطورات والمؤشرات لا تظهر إمكان حصول ذلك في المدى القريب. لكنّهم يمنون النفس قبل ذلك باعتراف العراق بحقهم في الحصول على جنسية تتيح لهم التصويت في الانتخابات العراقية في الخارج.

في أواخر آب/ أغسطس الماضي عبّر اليهود عن مطلبهم هذا عبر رسالة نقلوها إلى رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، ناشدوه فيها بـ”تصحيح التعاطي مع يهود العراق الذين تم استثناؤهم من اكتساب الجنسية”. ويستبشرون بالكاظمي خيراً “مثلنا مثل غالبية الشعب العراقي الذي يؤيد جهودكم المبذولة في ظل ضغوطات وصراعات كبيرة تعصف بالبلد، وقد حان وقت الالتفات بجدية لقضية الأقليات، فلا يمكن إنكار حقوق هؤلاء المواطنين، ومن الظلم الاستمرار في إصدار قوانين مجحفة تنكر حق المواطنة المكفول لكل عراقي”.

قبل الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2010 نجح عشرات من يهود العراق في إسرائيل بالإدلاء بأصواتهم في السفارة العراقية في الأردن، في أكثر من دورة انتخابية. ويبدو أن هذا التصويت أثار نقاشاً واعتراضات، ما أدى إلى وضع عراقيل أمام يهود العراق الإسرائيليين ومنعهم من التصويت عام 2010. وقد سافرت حينها ليندا منوحين عبد العزيز إلى عمّان للإدلاء بصوتها، لكن وجودها هناك، أدى إلى احتجاج عراقيين في مراكز الاقتراع، حاولوا الاعتداء عليها لولا مساعدة الشرطة الأردنية التي أنقذتها وأخرجتها من المكان.

منذ ذلك الوقت، مُنِع اليهود العراقيون من الاقتراع في إسرائيل، لكن جهودهم للتواصل استمرت بل ازدادت طوال الوقت عبر مجموعات التواصل الاجتماعي.

عام 1948، كان عدد اليهود الموجودين في العراق 150 ألف شخص، لكن بعد ثلاث سنوات من قيام إسرائيل كان 96 في المئة منهم قد رحلوا. وهاجر من تبقى منهم بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

عدد اليهود العراقيين في إسرائيل غير واضح، بسبب زيادة نسبة الزواج المشترك مع يهود أتوا من تونس والمغرب واليمن وغيرها من الدول العربية، لكن التقديرات أن عددهم يقارب ربع مليون يهودي عراقي، يسكنون في مختلف البلدات الإسرائيلية، لكن معظمهم في القدس. يلتقون في مناسبات كثيرة ويقيمون حفلات خاصة، يؤدي فيها عراقيون أجمل أغاني أم كلثوم وفريد الأطرش إلى جانب أغنيات عراقية معروفة.

تحرص هذه الشريحة من يهود العراق على الحفاظ على تراثها وتقاليدها. فإلى جانب الطعام والتقاليد العراقية أقام اليهود العراقيون متحفاً خاصاً يستعيد سيرة حياتهم في العراق، حتى وصولهم إلى إسرائيل. ويشمل المتحف الكثير من الزوايا التي تغطي مجالات حياتهم اليومية كافة. كما تقام فيه حفلات لمغنين يهود عراقيين.

المتحف يضمّ مخطوطة التوراة العراقية، ويقال إنها أقدم نسخة للتوراة في العالم. في كانون الثاني/ يناير 2015 تفاخرت الخارجية الإسرائيلية بسرقتها مخطوطة التوراة العراقية وإحضارها إلى القدس، تمهيداً لاستخدامها في الصلاة اليومية. حينذاك أقام وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان حفلاً خاصاً، بحضور شخصيات ديبلوماسية وكبار الحاخامات، أعلنت خلاله وزارته أن المخطوطة وصلت من كردستان العراق عبر بغداد وعمان واستقرت في إسرائيل.

رئيس بلدية رمات غان، كرمل شمة هكوهين، نقل إلى متابعي إحدى صفحات التواصل الاجتماعي فيديو يتحدث فيه عن رغبته في الوصول إلى العراق وتناول الطعام العراقي. ودعا العراقيين إلى زيارة رمات غان، التي يشكّل العراقيون اليهود 30 في المئة من سكانها. كبار السن بينهم يرتشفون القهوة الصباحية في مقاهيها وسط أحاديث عراقية متنوعة. ولدى التجول فيها تستمع إلى اللهجة العراقية في معظم شوارعها.

ويقيم هكوهين في رمات غان برامج خاصة للعراقيين تهدف إلى الحفاظ على الثقافة العراقية. كما تقام الحفلات العراقية ويصلها يهود عراقيون من مختلف البلدات في إسرائيل، كما تشمل هذه البرامج تعليم العربية واللهجة العراقية لليهود غير العرب أو لليهود المتحدرين من أصل عربي الذين ولدوا في إسرائيل ولم يتعلموا العربية.

دعوات إلى فنانين عراقيين

“أنا على قناعة بأن الموسيقى والغناء وسيلة تقرب الشعوب وتدفع نحو السلام”

زارت إسرائيل، خلال السنوات الخمس الأخيرة، شخصيات عراقية، من ديبلوماسيين عراقيين سابقين وغيرهم، لكن معظم هذه الزيارات تنتهي بهدوء ومن دون ضوضاء الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي. وضمن جهود يهود العراق للتواصل مع العراقيين وجهوا دعوات إلى عدد من الفنانين العراقيين. هكوهين كان التقى الفنان العراقي نصير شمة، ووجه إليه دعوة إلى إسرائيل. بحسب هكوهين وافق شمة بحماسة، واتفقا على تنظيم حفل له، لكن الصورة التي نشرها هكوهين إلى جانب شمة ودعوته إلى إسرائيل أثارتا ضده ضجة إعلامية واسعة ما أدى إلى إلغاء الحفلة.

المطرب العراقي إسماعيل فاضل زار إسرائيل مرات عدة، وقدم حفلات في مركز التراث العراقي في اور يهودا، وفي رمات غان، وسرعان ما فتحت زياراته نقاشاً عاصفاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكن الفنان العراقي تعامل مع هذا النقاش، وما تضمنه من تهديدات وإهانات، بالقول: “أنا على قناعة بأن الموسيقى والغناء وسيلة تقرب الشعوب وتدفع نحو السلام. أرى أن حضوري إلى إسرائيل، وكعراقي غير يهودي ومن عائلة عراقية عريقة، هو دافع كبير وداعم للسلام”.

اسماعيل فاضل لا يعيش في العراق، بل في أستراليا. وصوته عال في غناء “موّال” السلام والتطبيع، لأنه يأتي من خارج العراق. أما الأصوات من داخل العراق فلا تزال خجولة، ولا تزال مترقّبة لنتائج اتفاقيات “إبراهيم” وما ستؤول إليه العلاقات العربية- الإسرائيلية لاحقاً.

المصدر: Daraj

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English