هل ينجح ترامب بتصنيف “أنصار الله” منظمة إرهابية؟

في الحقيقة، ما ذَكَرته مؤخرًا مجلة “فورين بوليسي” من أن الإدارة الأميركية تستعد لتصنيف حركة “أنصار الله” اليمنية على أنها منظمة إرهابية، وذلك قبل رحيل الرئيس دونالد ترامب الذي تنتهي ولايته في شهر كانون الثاني/يناير القادم، يحمل الكثير من المعطيات السياسية والاستراتيجية، والتي تتجاوز ملف الحرب على اليمن.

فصحيح أن عزم الادارة الأميركية وضع “أنصار الله” على لائحة الارهاب، يدخل من ضمن ما تقوم به ادارة ترامب، في سياستها المعتمدة منذ أربع سنوات وحتى الآن، تجاه أغلب الأطراف الذين يعرقلون استراتيجيتها ويواجهون مخططاتها، و”أنصار الله” برهنت أنها، وكحركة مقاومة يمنية، من أكثر الأطراف فعالية بمواجهة استراتيجية واشنطن في المنطقة والخليج، وتحديدًا بمواجهة استراتيجيتها على سواحل البحر الأحمر وخليج عمان وبحر العرب، أو في المنطقة الأكثر حساسية من العالم حاليًا.

في الواقع، كيف يمكن لواشنطن أن تصنف حركة “انصار الله”، منظمة ارهابية، والأخيرة هي التي كانت الأكثر فعالية في محاربة الارهاب في اليمن، وعمليات التحرير التي قادتها حركة “أنصار الله” في محافظات البيضاء والضالع ومأرب، كانت خير دليل على دحر وهزيمة أكبر تجمعات ارهابية لـ”داعش” أو لـ”القاعدة” في اليمن، والتي كانت تدعمها واشنطن وتستغلها دول العدوان للقتال ضد حركات المقاومة اليمنية الوطنية ومن ضمنها حركة “أنصار الله”.

إذًا، ومن ضمن سياستها الخبيثة، من الطبيعي أن تعمد واشنطن الى اتخاذ هذا القرار ضد حركة “أنصار الله”. ويمكن القول إنها قد تأخرت في ذلك حتى الآن، إذ ربما قد يكون السبب في تأخرها، انها كانت تنتظر يومًا بعد يوم هزيمة الحركة المذكورة، حيث اعتبرت أنه مع هذا الضغط العسكري الواسع على اليمن وأنصار الله بالتحديد، والمدعوم من قوى وجيوش اقليمية وغربية، ومع هذه القدرات العسكرية المتطورة، لا بدّ في النهاية أن تخسر أو تستسلم القوى الوطنية اليمينة ومنها “أنصار الله”.

ولكن، ومع تأخر هذه الهزيمة، ومع انقلاب هذا الضغط تماسكًا وقوة وثباتًا أكثر لحركة “انصار الله”، في الميدان لناحية تحرير أغلب مناطق اليمن وسطًا وشرقًا وشمالًا، أو في امتلاك القدرات الباليستية والنوعية من صورايخ وطائرات مسيرة، وفرضها عبرها معادلة استراتيجية تجاوزت حدود اليمن، لتصل الى عواصم دول العدوان ومنشآتهم الحيوية في الخليج، برًا وبحرًا، كان لا بد من هذا القرار.

عمليًا، ما يؤخر هذا القرار كما يبدو، وجود معارضة مزدوجة له، الأولى من الأمم المتحدة من خلال ما يقوم به الموفد الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث لمنع هذه الخطوة، بعد أن طلب من الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرس المساعدة في هذا الموضوع، وقد دعا الأخير السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت الشهر الماضي لإعادة النظر في هذه القرار المرتقب، وذلك مخافة من تعطيل جهود الإغاثة الدولية وتقويض وساطة الأمم المتحدة لوقف العدوان على اليمن.

المعارضة الثانية للقرار، تتمثل بموقف الديمقراطيين في الكونغرس، حيث اعتبر السيناتور الديمقراطي كريس مورفي أن هذه الخطوة هي محاولة واضحة من قبل إدارة ترامب لتقويض مفاوضات السلام المستقبلية، معتبرًا (مورفي): “ان التصنيف لن يحقق شيئًا فعليًا سوى تعقيد عملية التفاوض مع “الحوثيين” وتعقيد إرسال المعونات إلى المناطق التي “يسيطر” عليها الحوثيون”، مضيفًا إن هذا القرار يجب أن يطبق على “التحالف الذي تقوده السعودية” إذا كان المراد تصنيف جهات بسبب قيامها باستهداف المدنيين بشكل متعمد.

اللافت في الموضوع أن الأمم المتحدة انتبهت مؤخرًا وبعد ست سنوات من الحرب على اليمن، أنه يجب وقفها والبحث عن حلول سياسية وتأمين جو ملائم لجهود الاغاثة الدولية، أو أن الديمقراطيين انتبهوا، وأيضًا بعد ست سنوات من هذا العدوان “أن هذا القرار يجب أن يطبق على التحالف الذي تقوده السعودية إذا كان المُراد تصنيف جهات بسبب قيامها باستهداف المدنيين بشكل متعمد”.

في الحقيقة، أسباب هذه المعارضة من الأمم المتحدة أو من الديمقراطيين، هي مختلفة بالكامل عما أشارت اليه الأمم المتحدة أو عما برره النائب الديمقراطي مورفي، حيث لكل جهة أسبابها غير المعلنة وهي:

لناحية الأمم المتحدة

لم تُظهر هذه المؤسسة الأممية، ولا في أي ملف حساس أو مشتعل في العالم، يتعلق بعدوان أو بحرب أو ما شابه، أي معارضة لسياسة الادارة الاميركية، وعمليًا، كانت دائمًا الأمم المتحدة تتحاشى التصويب على سياسة تلك الادارة، وبمعنى آخر، كانت هذه المنظمة الأممية تمثل الجهة الدولية الحامية أو المسهلة لسياسة الادارة الأميركية عبر العالم، والعدوان على اليمن هو خير دليل على تقاعس هذه المنظمة عن القيام بواجباتها، رغم ما حملته هذه الحرب من المآسي والدمار والقتل ومن مخالفة القوانين الدولية وقانون الحرب والقانون الدولي الانساني، ولم تكن تحرك ساكنًا في أي خطوة عملية، مع بعض التحرك الخجول والذي كان فقط لذر الرماد في العيون.

فان تقوم الآن الأمم المتحدة بمحاولة ثني ومعارضة ادارة ترامب في قراره المرتقب، حول وضع “انصار الله” اليمينة على لائحة الارهاب، هي محاولة غير بعيدة عن ايفاد رسالة تودد والتزام للادراة الجديدة الديمقراطية الممثلة بالرئيس المنتخب جو بايدن، ومن الطبيعي أن تعبر عن استعدادها للسير في ركاب هذه الادارة الجديدة.

لناحية الديمقراطيين

فقط ينظر الديمقراطيون، ومن خلال هذا الموقف الرافض لقرار الرئيس ترامب المرتقب، لمصلحتهم الخاصة، وذلك في محاولة لابعاد أي ملف مشتعل أو متوتر أو معقد عن ادارتهم المرتقبة للسياسة الأميركية، حيث يُعتبر العدوان على اليمن ملفًا فاشلًا لادارتهم السابقة، حيث وضعت الأخيرة تحالف العدوان في مستنقع من الصعوبة الخروج منه، وذلك عبر جرّ هذا التحالف أولًا الى الحرب، ولاحقًا عبر منعه من السير بأي تسوية سياسية، لهدف بيع الأسلحة وابقاء التوتر في المنطقة، مع ظنهم – والذي هو في غير محله – أن هذه الحرب ستشكل ورقة ضغط على ايران.

اذًا، يحاول الديمقراطيون الغاء ملف متفجر من وجه ادارتهم المرتقبة من أصل عدة ملفات مشتعلة، يعمد ترامب الى تذكيتها بوجههم قبل رحيله، بهدف الانتقام لخسارته من جهة، وتحضيرًا لمعركة سياسية لاحقة بعد أربع سنوات من بداية العام المقبل (2021) من جهة أخرى.

شارل أبي نادر

المصدر: موقع العهد الإخباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English