ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية “يرسم” إطاراً جديداً للعلاقة بين عون وبري!

بين ملف عودة النازحين السوريين، وملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، ثمة قاسم مشترك وهو رغبة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الامساك بالملفين والعمل على “حلحلتهما” بعد الجمود الذي اصابهما…. واذا كان الرئيس عون يحضر لورشة عمل في قصر بعبدا تضع ورقة عودة النازحين السوريين التي اعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية موضع التنفيذ بعد توفير الآلية، فإن ملف الترسيم يبدو أصعب من غيره من الملفات لانه مرتبط خارجياً بإرادتين، الاولى أميركية والثانية إسرائيلية، ومرتبط داخلياً بمدى تجاوب رئيس مجلس النواب نبيه بري مع رغبة رئيس الجمهورية بأن يتولى هو هذا الملف انطلاقا من صلاحياته الدستورية ولاسيما المادة 52 من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية “يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء (…)” بعدما كان الملف تولاه الرئيس بري بتكليف من الرئيس عون ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

ولعل ما دفع الرئيس عون الى تحريك ملف الترسيم من جديد، إعلان الحكومة الاسرائيلية عن مصادقتها في حزيران (يونيو) الماضي على التنقيب عن الغاز في منطقة محاذية لــ “البلوك رقم 9” وفق التقسيمات اللبنانية، علماً أن الاسرائيليين كانوا تجنبوا في الاعوام الماضية اي عملية تنقيب في المنـــــاطق المتنازع عليهــــــا مع لبنان اضافة الى أن إقدام “الاسرائيليين” على هذه الخطوة الاستفزازية في ظل استمرار تعثر وجمود محادثات ترسيم الحدود في الجنوب، يفتح الباب امام مخاطر كبرى في المستقبل القريب. من المتوقع ان تلزم حكومة العدو عمليات التنقيب عن النفط والغاز في البلوك المسمى من قبلها “الون دي” خلال الاشهر القليلة المقبلة، ما يعني إمكان التعدي على الحقوق اللبنانية في القريب العاجل، وهو ما لا يمكن السكوت عنه.

 ومعلوم ان العدو الذي سبق لبنان بأشواط في مجال التنقيب واستخراج وحتى تصدير وبيع المواد الاولوية الموجودة في البحر الابيض المتوسط، قادر عمليا على قرصنة جزء كبير من كميات الغاز الموجودة في البلوك رقم تسعة حتى لو كانت معداته مثبتة خارج المياه الاقليمية اللبنانية، لكن طبعا عبر العمل بمحاذاة البلوك المذكور.

 وتقول مصادر معنية ان لبنان سوف يعمل على خطين في المستقبل القريب، الاول ديبلوماسي مع الامم المتحدة والمجتمع الدولي، لاعادة تحريك المفاوضات غير المباشرة مع العدو، والخط الثاني عملائي، ويتمثل بالطلب من شركة ” توتال” الاستعداد لبدء عمليات التنقيب في البلوك رقم تسعة فور اتمام عملية الترسيم، وعدم المماطلة والتأجيل بحجـــة رغبة الشركة الفرنسية في خفض موازنتها للعام 2021 لمواكبة انخفاض الطلب العالمي على النفط وتراجع اسعاره نتيجة التباطؤ الاقتصادي العالمي وانتشار وباء ” كورونا”. وتقول التقارير الفنية ان ” البلوك رقم 9″ غني اكثر من غيره من ” البلوكات” وفقا للمسوحات الجيولوجية الاولية التي اعدت، وبالتالي فإن كل يوم تأخير يعزز احتمالات قرصنـــة العدو للمخزون اللبناني.

إشارات حرّكت الملف

 وتقول مصادر رسمية ان الرئيس عون حرّك ملف الترسيم بعدما تلقى اشارة عبر السفارة الاميركية في بيروت، وقبل ذلك من خلال مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شنكـــر، عن رغبـــــة الادارة الاميركيـــــة باستئناف الوساطة الاميركية لــ “رعاية” المفاوضات بين لبنان واسرائيل، في حين تبقى القوات الدولية الــ” يونيفيل” راعية لمفاوضات ترسيم الحدود براً. وفي معلومات المصادر نفسها ان الرئيس عون اعتبر ان الوقت مناسب لمعاودة البحث في الترسيم البحري بعد الوصول الى طريق مسدود في الملف عندما كانت في عهدة الرئيس بري الذي يصر على تلازم المسارين البري والبحري في التفاوض وعدم الفصل بينهما، في حين يرى الرئيس عون انه يمكن العمل على خطين، الاول الترسيم البحري مع الولايات المتحدة الاميركية، والثاني الترسيم البري مع القوات الدولية، لاسيما وان اسرائيل رفضت تدخل القوات الدولية بالمفاوضات البحرية وان كانت قبلت بأن يكون مكان التفاوض في مقر القيادة الدولية في الناقورة.

وترى المصادر ان رئيس الجمهورية اعد دراسة قانونية تتعلق بالترسيم البحري يشرح فيها اسباب مطالبته بتولي هذا الملف في اقرب فرصة ممكنة، وانه سلّم المعنيين، ومنهم الرئيس بري وحزب الله، نسخة عن الدراسة القانونية لدرسها والموافقة عليها تمهيداً لعرض موضوع الترسيم البحري على مجلس الوزراء، وفي الدراسة اشارة الى المساحة التي لا تزال اسرائيل تطالب بها من المياه الاقليمية اللبنانية المتداخلة مع المياه الاقليمية المحتلة، مع اقتراحات عدة للوصول الى حل هذه العقدة من ضمن خيارات متنوعة يدعو احدها الى اعتماد الحدود البرية استكمالا للحدود البحرية في منطقة رأس الناقورة مع مراعاة السيادة اللبنانية على طول الحدود البحرية وعمقها. ولاجل ذلك، وتفادياً لأي مزايدات في هذا المجال، عمل الرئيس عون على ان يكون ملف التفاوض متكاملا ومدعوما بخرائط قديمة تثبت ملكية لبنان لكامل مساحة ” البلوك رقم 9″ مع وجود نية على خوض المحادثات بليونة لكن بحزم وتشدد في ما خص الحقوق اللبنانية. وفي احدى الخرائط ما يثبت ان حق لبنان يتجاوز مساحة 800 كيلومتر على حدوده مع فلسطين المحتلة الى 1400 ما يمنحه حق التفاوض على هذه الحصة كاملة وليس اقل منها، وان لبنان له الحق بالتعديل. وقد وثق عون معطاه هذا مع قيادة الجيش التي رأت امكانية في تعديل الترسيم.

بري غير موافق

لكن السؤال الذي لا يزال من دون جواب: هل يقبل الرئيس بري بتسيلم ملف الترسيم الى الرئيس عون ام يصر على الاحتفاظ به؟ كل المعلومات تشير الى ان رئيس مجلس النواب ورئيس حركة ” امل” في آن لم يكن متجاوبا مع طرح الرئيس عون الذي نقله اليه المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، فلجأ رئيس الجمهورية الى قيادة حزب الله من اجل ” اقناع” حليفها الاستراتيجي بالمسألة، الامر الذي جعل بري ” يتخوف” من محاولات ترمي الى التنازل عن بعض الامتار من الحدود البحرية بحيث يتم ترسيم ما لا خلاف عليه، وتبقى المساحة المختلف عليها موضع بحث على غرار ما حصل في الحدود البرية التي لا يزال هناك 13 نقطة عالقة بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي.

الا ان التباين في وجهات النظر بين الرئيسين عون وبري لا يزال قيد المعالجة عبر القنوات المشتركة ومنها قناة حزب الله التي لم تبد موقفا حاسما من الطرح الرئاسي بعد وقد تعمدت التريث في انتظار ما ستؤول اليه الاتصالات بين بعبدا وعين التينة، لان ثمة من يرى ان ملف ترسيم الحدود البحرية قد يحدث ” ترسيماً ” جديداً للعلاقات بين الرئيسين عون وبري.

 وكانت مصادر اعلامية اشارت الى انه قبل ازمة ” كورونا” بفترة قصيرة، كانت عقدت في جنيف ورشة عمل غير رسمية نظمتها منظمة غير حكومية، تحت عنوان النفط في الشرق الاوسط، حضرها عدد من النواب والمستشار الاعلامي للرئيس بري علي حمدان وشارك فيها خبراء واكاديميون، وكان الهدف من الورشة البحث في اقتراحات وبدائل حلول وتولى المشاركون رسم الخط الفاصل على الحدود مع لبنان على خريطة جديدة مختلفة عن تلك الموجودة. ويقال ان الخط الفاصل الوارد في هذه الخريطة هو ما يحاول عون اعتماده كخط ترسيم جديد مستفيداً من حق لبنان بإعادة ترتيب حدوده ودرس امكانية ارسالها الى الامم المتحدة، لكن لم يأخذ بها الاميركيون ورفض بري السير بها بينما تريث “حزب الله” في الرد.

المصدر: الافكار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English