تَحوُّلات الهُويَّة والدِّين في مِصْر.. بقلم مصطفى زهران

مثَّلَت ثَورات الرَّبيع العربيِّ منذ انطلاقتها في عام 2011، وما تلاها من منعطفات، “مرحلة تأريخيَّة” هامَّة لمُجرَيات الأحداث، للواقِعَين السِّياسيِّ والمجتمعيّ في منطقة الشَّرق الأوسط. ويمْكن فهم الانتفاضات القائمة وسياقاتها في كلٍّ من لبنان والعراق، ومِن قَبلِهما السُّودان والجزائر، كواحدة من الفَواعل الرَّئيسة الَّتي اشتبكَت مع الواقع الجديد، المتمخِّض عن انعكاسات الرَّبيع العربيِّ على المنطقة بكمالها.

بَيْد أنَّ ما يمْكن تَلمُّسه بشكلٍ رئيس في المنطقة، هو حجم التَّحوُّلات الهامَّة الَّتي حدثَت -ولا تزال- في الحقل الدِّينيِّ “العربيّ/الإسلاميّ”. وتُعدُّ مِصْر فضاءً دلاليًّا هامًّا لفهم هذه التَّحوُّلات والظَّواهر النَّاتجة منه؛ إذ عايشَت أخيرًا سِجالات دينيَّة، خرجَت عن التَّقسيم التَّقليديِّ المُتعارَف منذ عقود بين فريقَي الإسلاميِّين والعلمانيِّين، إلى شرائح مغايرة ممثَّلة بجمهور “السُّوشيال ميديا”، بعد انتقاله من خانة المشاهَدة والمتابعة إلى الفاعليَّة والحضور والاشتباك. وعلى رأس هذه الإشكالات والقضايا والموضوعات، الَّتي كانت مَثار جدلٍ ونقاشٍ كبيرَين، يأتي استدعاء الشَّيخ محمَّد “متولِّي الشَّعراويّ” والمواجهة لأفكاره، مرورًا بجدليَّة الحجاب بين الإباحة والوجوب، وانتهاءً بوضعيَّة حُكم المنتحِر في الشَّريعة الإسلاميَّة.

كان الشَّيخ محمَّد متولِّي الشَّعراويّ أحد أهمِّ الرُّموز الدِّينيَّة زمنَ الرَّئيس مبارك، وبرَزَ بشدَّة في السَّاحتَين السِّياسيَّة والمجتمعيَّة الدِّينيَّة آنذاك، ونجح في خلق نَوع من التَّجانس بين الوعظ وعدم معارضته للسُّلطة، واتَّسَم خطابُه بالوسطيَّة، وآراؤُه بالاعتدال، مقارَنةً بخطاب الإسلاميِّين في ذلك الوقت، والَّذي كان يَشهد حالةً من الصُّعود مُتزامنًا مع العنف المسلَّح؛ ما أهَّله -ومِن خلال آليَّات أقْرَب إلى الشَّعبويَّة- لِلاقتراب مِن الشَّارع المصريِّ بكافَّة تنويعاته وتقسيماته.

يمْكن القول: إنَّ استدعاء الشَّيخ بعد هذه السَّنوات من رحيله، ومهاجمة آرائه وتصريحاته القديمة، ليس سِوَى تعبير عن حالة الفراغ القائمة، مِن جرَّاء تراجع السِّجالات التَّقليديَّة بيْن قوى الإسلام السِّياسيِّ، والدَّعوى وخصومهم التَّقليديِّين من القوى العلمانيَّة، والَّتي عادةً ما كانت تَشغل هذه المساحات من حين إلى آخر. وكشفَت أيضًا تلك السِّجالات عن حجم التَّحوُّلات الدِّينيَّة القائمة في المَشهد الدِّينيِّ المصريّ، إذ لم يعُدْ شيءٌ بعيدًا عن النَّقد أو المحاسَبة، حتى وإن لم يكن حاضرًا في مشهد اللَّحظة الرَّاهنة.

بالتَّوازي مع ذلك، عادت للواجهة قضيَّة الحجاب لتُثير عدَّة نقاشات، على خلفيَّة تنازُل عددٍ من الفنَّانات اللَّاتي ارتدَيْن الحجاب على فترات متقطِّعة في العقدَين الأخيرَين عن حجابهنّ، بشكلٍ أثار ضجَّة حول الأسباب والمسبِّبات. ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل أثارت آراؤهنَّ وتصريحاتهنَّ، حول وُصولهنَّ إلى يقينيَّة أنَّ الحجابَ ليس فرضًا في الدِّين الإسلاميِّ، مَوجةً أخرى من الجدل والحيرة؛ ما دفَع بكلٍّ من مشيخة الأزهر ودار الإفتاء المصريَّة، إلى الإسراع في تأكيد ما يخالف ذلك جملةً وتفصيلًا.

في الواقع، شهِدَت مصرُ منذ سقوط حُكم الإخوان المسلمين مَوجةً من التَّحوُّلات، الَّتي طالت التَّمظهُرات المحافِظة في المجتمع المصريّ، والَّتي كان من بينها الحجاب، الذي جرى التَّعامل معه على أنَّه تعبير دقيق عن أسْلَمة الدَّولة –حسب ما يصفها خصومُهم العلمانيُّون-؛ ما دفع بالكثير من النِّساء إلى خلعهنَّ الحجاب، بهدف رفض هذا النَّسق المحافظ الَّذي صدَّرَته قوى الإسلام السِّياسيِّ، أو باعتباره وهَّابيًّا يهدِّد مدنيَّة الدَّولة وما شابه، في حين تَمسَّك به بعضٌ آخَر من النِّسوة، باعتباره جزءًا أساسيًّا، وشكلًا رئيسًا لمحدِّدات الهُويَّة الإسلاميَّة المصريَّة المحافظة.

لم تكُن جدليَّة مصير المنتحِر بِمَنْأًى عن حجم التَّحوُّلات القائمة، لا سيَّما بعد بروز ظاهرة الانتحار إعلاميًّا. فكان أبرَزُ المنتحرين أخيرًا، الشَّابَّ الَّذي طرح نفسه من أعلى قِمَّة بُرج القاهرة. واللَّافت في النِّقاش الدَّائر حول الانتحار، ومصيرِ مرتكِبه، أمران: أوَّلُهما أنَّ الإقدام على الانتحار -الَّذي لطالما اعتبر دليلًا واضحًا على حالة الفراغ الإيمانيِّ، وطُغيان المادِّيَّة في المجتمعات الغربيَّة-، ينتقل بشكلٍ أقوى في مجتمعات عربيَّة محافظة. وهو ما أثار التَّعجُّب والحيرة في ظلِّ مجتمعات عربيَّة، يتمَوضع خلالها الدِّين بشكلٍ مغاير عن نظيره الغربيِّ. وثانيهما: الانتقال بظاهرة الانتحار إلى جدليَّة تبدو مستحدَثة لم تكُن مَثار نقاش من ذي قَبْل، حول مصير المنتحِر وهل يَلقى عذابًا أبديًّا أمْ هل ينال المغفرة، بعد أن كان التَّسليمُ المطلَق قبل ذلك، بأنَّ المنتحِر لا ينال الرَّحمة الإلهيَّة، بل ولا تُقام له جنازة، ولا يُقْبل فيه العزاء.

إنَّ ما تُعايشه مصر في اللَّحظة الرَّاهنة، أشْبَهُ بحالِ مَخاضٍ فكريّ ومجتمعيّ مغاير عن سابِقِه، يَدُور في مُجملِه حول إشكالات الهُويَّة والدِّين، شأنُها في ذلك شأن بقيَّة دول الرَّبيع العربيِّ، الَّتي اجتاحَها طوفانُه.

المصدر: taadudiya.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English