الخدعة الكبيرة.. “التدقيق الجنائي” بلا تعديل القوانين.. مجرد وهم

قرر مجلس الوزراء في آخر جلساته يوم الثلاثاء تكليف وزير الماليّة توقيع العقود مع شركات التدقيق المحاسبي والجنائي، بعد الرجوع إلى هيئة التشريع والاستشارات للأخذ بملاحظاتها على العقد. عمليّاً، من غير الممكن الآن توقّع رد هيئة التشريع والاستشارات، خصوصاً أن بنود هذا العقد مازالت طي الكتمان حتّى اللحظة. وهو ما يطرح أسئلة جديّة حول شموليّة التدقيق، الذي يتحدّث عنه مجلس الوزراء، وجديّته. لكن أكثر ما يثير الشكوك حول نوعيّة هذا التدقيق يكمن اليوم في تناقض مبدأ التدقيق الجنائي مع الكثير من القوانين المرعيّة الإجراء بالنسبة إلى مصرف لبنان والقطاع المصرفي ككل، وعدم وجود مسعى جدّي في مجلس النواب لتوفير الغطاء التشريعي، الذي يسمح بهذا النوع من التدقيق. مع العلم أن مشروع قانون رفع السريّة المصرفيّة الذي تبنّته الحكومة، سيخضع إلى مسار شائك وطويل في المجلس النيابي لاحقاً، ومن غير الواقعي ربط هذا المسار بعمليّة التدقيق الجنائي التي يتم الحديث عنها.

السرية المصرفية وهيئة التحقيق الخاصة

من حيث المبدأ، يُفترض بالتدقيق الجنائي أن يتتبّع العمليات الماليّة التي جرت خلال فترة معيّنة من زمن، من ناحية أهدافها والحسابات المصرفيّة المستفيدة منها والنتائج التي تمخّضت عنها. أما أهم ما في هذا التحقيق، فهو محاولة رسم مشهد متكامل من خلال الربط بين العمليّات المختلفة والمتكاملة التي قام بها طرف محدد أو مجموعة من الأطراف. إذ يمكن لهذا الربط وحده أن يسمح بتكوين فكرة عن نمط العمليات الذي يشكّل إحتيالاً ما أو كسباً غير مشروع. باختصار، لا يمكن إجراء التدقيق الجنائي من دون الكشف عن هويّة الحسابات المستفيدة، وتفاصيل عمليّات كلّ حساب، وترابط العمليات فيما بينها.

لكنّ، وحسب قانون السريّة المصرفيّة المعمول به اليوم، لا يمكن رفع السريّة المصرفيّة عن الحسابات في المصارف اللبنانيّة، إلا إذا أراد ذلك أصحاب هذه الحسابات بشكل طوعي. لا بل ثمّة بنود في قانون النقد والتسليف نفسه تمنع موظفي المصرف المركزي من إفشاء أي تفاصيل تتعلّق بهذه الحسابات يمكن أن يطلعوا عليها خلال ممارستهم لمهامهم في المصرف. أما في حالات الشك بوجود عمليات كسب غير مشروع، فالقانون نص على آليّة معقّدة وطويلة لرفع السريّة المصرفيّة عن حسابات محددة، من خلال هيئة التحقيق الخاصّة، وهي هيئة داخل المصرف المركزي تملك طابعاً قضائياً، ولا تتخذ القرار برفع السريّة المصرفيّة، إلا بعد إجرائها تحقيقات مفصّلة في كل حساب يُطلب رفع السريّة المصرفيّة عنه، وبأسباب هذا الطلب.

ببساطة، لا يمكن توقّع أي تدقيق جنائي محترف وشامل بوجود السريّة الصرفيّة المعمول بها حاليّاً. خصوصاً أن هذا التدقيق يفترض امتلاك المدققين الولوج السريع لعدد كبير من الحسابات المصرفيّة المعنيّة بالتحقيق، في حين أن إعتماد آليّة رفع السريّة المصرفيّة عبر هيئة التحقيق الخاصّة، سيعني انتظار دراسة الهيئة المعمّقة لكل طلب على حدة، وهو مسار يمكن أن يتطلّب سنوات طويلة لإنجازه، أو قد لا يُنجز أساساً. مع العلم أن هيئة التحقيق الخاصّة التي ستقرر إمكانيّة رفع السريّة المصرفيّة يرأسها ويديرها حاكم المصرف المركزي نفسه، وهو المستهدف الأوّل في عمليّة التدقيق الجنائي نفسها. كما أن الهيئة لا توافق على طلبات رفع السريّة، إلا بعد أن تجد –وفقاً لدراساتها- أن طالبي رفع السريّة يملكون إثباتات على عمليات احتياليّة في الحسابات المعنيّة، أي أن الهيئة لن توافق حكماً على رفع السريّة لمجرّد التدقيق في هذه الحساباتـ وقبل الحصول على الإثباتات. خصوصاً كون الهيئة معروفة بتشددها قبل الموافقة على هذا النوع من الطلبات.

تعديل القوانين المطلوب

التدقيق الجنائي ليس مستحيلاً، لكنّه يتطلّب أولاً الشروع بإيجاد آليّات معينة لكشف السريّة المصرفيّة عن جميع الحسابات المعنيّة بهذا التحقيق. وهذا المسار يحتاج إلى إطار قانوني خاص في المجلس النيابي. وبما أن الحكومة لم تبادر حتّى اللحظة إلى إرسال أي مشروع قانون إلى المجلس النيابي بهذا الخصوص، وكون لجان المجلس لا تعمل اليوم على مشروع قانون من هذا النوع، فمن الأكيد أن هناك عوائق قانونيّة ستمنع الشروع بإجراء عمليّة تدقيق جنائي شاملة ومفصّلة في العمليات التي قام بها مصرف لبنان خلال السنوات الماضية. وإذا نصّ العقد الذي عمل عليه وزير الماليّة على تحقيق شامل من هذا النوع، فمن المتوقّع أن تقوم هيئة التشريع والاستشارات بلفت النظر إلى هذه العوائق القانونيّة، عند إبداء الرأي في العقد.

لكن ثمّة سيناريو آخر متوقّع لما سيجري. وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، بحسب المتابعين لتفاصيل هذا الملف. فمن الطبيعي أنّ يكون المستشارون الذين عملوا على عقد التدقيق مع “آلفاريز آند مرسال” مدركين لكل هذه العوائق القانونيّة، وهو ما يؤشّر إلى أن العقد لا يشمل أساساً تدقيقاً جنائياً شاملاً، من النوع الذي يمكن أن يتعارض مع قوانين السريّة المصرفيّة. وهذا ما يفسّر عدم سعي الحكومة إلى معالجة هذه المسألة القانونيّة. وعمليّاً، يؤشّر اختيار شركة غير متخصصة بالتدقيق الجنائي إلى ترجيح هذا الاحتمال، خصوصاً أن إقصاء كرول – الشركة المتخصصة بالتدقيق الجنائي- بالشكل الذي تم في مجلس الوزراء، لا يمكن تفسيره إلا بعدم رغبة المجلس الدخول في تدقيق مفصّل في عمليات المصرف المركزي.

باختصار، قضت التسوية السياسيّة بتحقيق سطحي وغير متعمّق، وهو ما حلّ مشكلة المعارضة الشرسة التي واجهت فكرة التدقيق الجنائي منذ البداية، كما حلّ مشكلة تعارض التدقيق الجنائي الشامل مع بعض القوانين.

في هذه الحالة، وهذا ما هو متوقّع اليوم، سنكون أمام تدقيق شكلي لا يدخل في تفاصيل كثيرة. إذ سيتمكّن التدقيق من مراقبة عمليّات متفرّقة في حسابات المصرف المركزي، لكنّه لن يتمكّن من معرفة أصحابها أو هويّة المستفيدين منها، ولن يتمكّن من تتبّع خيوطها في الحسابات المصرفيّة. أما ما هو أهم، فهو عجز هذا النوع من التدقيق عن فهم ترابط هذه العمليّات، وكيفيّة تشكيلها أعمالاً احتياليّة أدت إلى كسب غير مشروع.

تجارب سابقة غير مشجعة

تثبت التجارب السابقة أن أي تدقيق جنائي من دون إطلاق يد المدققين لتتبع التحويلات والعمليات هو مجرّد وهم، وهدر للأموال العامّة. في حالة موزامبيق، تم تكليف شركة كرول نفسها بإجراء تدقيق جنائي مماثل. لكنّ الشركة واجهت مشاكل كبيرة منعتها من التوصّل إلى نتائج ملموسة، نتيجة عدم تمكّنها من تتبع التحويلات الماليّة وهويّة المستفيدين منها، رغم أن شركة كرول تُعد أكثر الشركات العالميّة تخصصاً في هذا النوع من التدقيق. وفي الخلاصة، أعلنت كرول أن هناك عمليّات ماليّة لم تتمكّن من تتبّع وجهتها، واكتفت ببعض التكهّنات.

في الحالة اللبنانيّة، يبدو أن الحكومة تعلّمت من درس موزامبيق. فأبعدت كرول لتفادي التورّط بتحقيق من خلال شركة محترفة ومتخصصة، يمكن أن تصرّح لاحقاً في تقريرها عن ما لم تستطع أن تتحقق منه من تحويلات وعمليّات ماليّة مشبوهة. أما ما هو متوقّع اليوم، فهو عقد يحترم الحدود التي تفرضها موجبات السريّة المصرفيّة وقانون النقد والتسليف، ويحترم رغبة الكثير من الأطراف بعدم الإفشاء عن تفاصيل ما جرى من تحويلات وعمليّات، ومع شركة غير متخصصة يمكن التفاهم معها على نطاق التحقيق.

في كل الحالات، الأيام المقبلة كفيلة بتأكيد هذه الترجيحات، بمجرّد انكشاف تفاصيل العقد الموقع مع شركة “آلفاريز آند مرسال”، إلا إذا ظل العقد طيّ الكتمان، كحال العقد الغامض الذي جرى توقيعه مع لازارد سابقاً.

علي نور

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English