تسمح للصين بالتواجد العسكري وحماية البرنامج النووي الإيراني.. تفاصيل الاتفاقية السرية بين بكين وطهران، فهل يمررها البرلمان؟

الصين وإيران تسابقان الوقت لإتمام اتفاقية تجارية شاملة، من المقرر أن تستمر 25 عاماً بين البلدين، والتي تشمل برنامجاً للتعاون الاستراتيجي على نطاق واسع.

إلا أن جدلاً أُثير في الداخل الإيراني بعدما تسربت أجزاء من المسودة شبه النهائية، إلى وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، كانت تعمل عليها الحكومة الإيرانية سراً لإرسالها إلى الحكومة الصينية وإقرار الموافقة النهائية.. فماذا تسرب منها؟

بنود الاتفاقية المسربة

اطلع “عربي بوست” على المسودة المكونة من 18 صفحة باللغة الفارسية، والتي نشرتها وسائل الإعلام المحلية في إيران، وبمقارنة الوثيقة الجديدة، بوثيقة التعاون السابقة المنشورة منذ عام 2016 على الموقع الرسمي للحكومة الإيرانية بنسخته الإنجليزية، فقد أضيف كثير من البنود الجديدة للنسخة القديمة من الاتفاقية، التي شملت تعاوناً في مجال الطاقة والتكنولوجيا والسياحة والتعاون العسكري.

التعاون في مجال الطاقة

تنص مسودة الاتفاقية على إمداد الصين بالنفط الخام الإيراني لمدة 25 عاماً، بتخفيض في السعر بلغ 32%، وفترة سماح للسداد تمتد لعامين، على أن تستخدم الحكومة الصينية عائدات النفط الإيراني في الاستثمارات المختلفة بأغلب القطاعات الأخرى.

إضافة إلى ذلك، سوف تقوم الصين بتطوير حقول النفط الإيرانية، والمصافي البترولية وغيرها.

يقول الخبير الاقتصادي الإيراني، حسين سعيد بور، لـ”عربي بوست”: “الصين تعد من كبرى الدول المستوردة للنفط، ومنذ زمن وهي العميل الاستراتيجي الأول لإيران في مجال النفط، وأرى أن الاتفاقية عادلة في هذا الجزء بالتحديد، أن تمد إيران الصين بالنفط، مقابل ضخ استثمارات صينية في أغلب القطاعات الإيرانية المتعطشة للأموال”.

بينما هناك من يرى أن إيران ظلمت نفسها بتقديم تخفيضات النفط الخام الكبيرة للصين، ويقول الصحفي الاقتصادي الإيراني علي موحد، لـ”عربى بوست”: “بالتأكيد إيران تحتاج إلى تصدير نفطها، لكن التخفيضات في الأسعار كبيرة، ويجب الأخذ في الاعتبار أسعار النفط المتغيرة، والاتفاقية لم توفر لإيران ضمانات جيدة في هذه النقطة”.

السيطرة على الموانئ والجزر الحيوية

ووفقاً للمواد المسربة من المسودة، ستقوم الصين بتطوير ساحل مكران المطل على بحر عُمان، وهو واحد من أهم الموانئ في إيران، كما ستقوم الصين ببناء مدينة صناعية كبرى في مكران.

كما ستقوم الحكومة الصينية أيضاً بتطوير ساحل وميناء جاسك المطل على مضيق هرمز، والقيام باستثمارات صناعية طويلة الأجل بالميناء.

في نص المسودة وبحسب مسؤول حكومي بارز، تحدَّث لـ”عربى بوست” وطلب عدم الكشف عن هويته، ستقوم الحكومة الصينية بسيطرة شبه كاملة على جزيرتي كيش وقشم الإيرانيتين، ويُسمح للصينين بالصيد في الجزيرتين، من دون شروط محددة أو منصوص عليها في نص المسودة الحالية.

وهو ما اعتبره بعض المراقبين في إيران تنازلاً كاملاً من الحكومة الإيرانية عن الجزيرتين ومناطق التجارة الحرة بينهما للصين.

ويقول أبو الفضل عموئي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني، لـ”عربي بوست”: “اجتمع الوزير جواد ظريف مع أعضاء اللجنة، ووضَّح لنا البنود كافة، ومن ضمنها أمر جزيرة كيش وقشم، والأمر قابل للتفاوض”.

ولم يوضح أبو الفضل في حديثه لـ”عربي بوست”، ما هو الأمر القابل للتفاوض إلى الآن.

في السياق نفسه نفى وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، لوسائل الإعلام الإيرانية، ما تردد عن مضمون اتفاق مع الصين للتخلي عن جزيرة كيش.

مسودة اتفاق الصين وإيران المسربة .. خاص

حماية البرنامج النووي

في القسم الخاص بالتعاون التكنولوجي بين الصين وإيران، تنص مسودة الاتفاقية على تطوير الصين للجيل الخامس من الاتصالات المحمولة في إيران (5G)، وتطوير محركات البحث، وتطبيقات المراسلة الفورية، والبريد الإلكتروني.

ويقول الصحفي المختص بمجال التكنولوجيا والاتصالات على أسفنديار، لـ”عربي بوست”: “من المقرر أن تقوم الصين بتقديم جدار حماية إلكتروني كامل للحكومة الإيرانية، مع تطوير برامج مكافحة الفيروسات الإلكترونية حتى داخل المنشآت النووية والعسكرية أيضاً”.

ويرى أسفنديار، أن إيران بحاجة إلى مثل هذه الخبرات، خاصةً تكنولوجيا حماية المواقع النووية الحساسة، وبالأخص بعد الشكوك المثارة حول تعرض تلك المواقع لهجمات إلكترونية في الفترة الأخيرة.

لكن في الوقت نفسه هناك تخوُّف لدى أسفنديار من التعاون التكنولوجي بين إيران والصين، فيقول لـ”عربي بوست”: “الصين معروفة بأنها دولة قمعية، تحجب حرية الاتصالات وتداول المعلومات عن شعبها، وإيران لها تجربة شبيهة؛ لذا فهناك مخاوف كبيرة من أن ينتج هذا التعاون مزيداً من تقييد حرية الإنترنت في إيران”.

هل ستتواجد الصين عسكرياً في إيران؟

من بين النقد الذي طال هذه الاتفاقية في الداخل الإيراني، إمكانية سماح الجمهورية الإيرانية بوجود 5 آلاف جندي صيني داخل أراضيها، لحماية مصالح الصين.

لكن دأبت وسائل الإعلام المحسوبة على التيار المحافظ، على نفى هذا الأمر، وكرر وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف نفى الأمر في أكثر من مناسبة.

إلا أن بعض المصادر الصحفية في إيران قالت لـ”عربي بوست”، إن الأمر كان مطروحاً بالفعل، في نسخة سابقة من مسودة الاتفاقية، ومن غير المعلوم ما إذا كان موضوع الوجود العسكري الصيني على الأراضى الإيرانية تم التفاوض عليه وإلغاؤه من الاتفاقية أم لا.

بجانب المجالات السابق ذكرها، من المفترض وفقاً لمسودة الاتفاقية، أن تستثمر الصين في مجال الطيران المدني الإيراني، وتطوير عدد من المطارات.

كما ستقوم الصين بإنشاء خط سكة حديدية يربط شرق إيران بغربها، وأيضاً ستقوم الحكومة الصينية بإنشاء خط سكة حديدية يربط باكستان بالعراق وسوريا، عن طريق إيران.

التعاون العسكري وتطوير الأسلحة

في العام الماضي، سافر اللواء محمد باقري رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، إلى بكين، والتقى رئيس الأركان المشتركة للجيش الصيني، وناقشا تطويراً كبيراً في العلاقات الدفاعية والعسكرية بين البلدين.

هذا التطوير منصوص عليه في الاتفاقية بين البلدين، كما ورد بمسودتها، التي تنص على التعاون العسكري والاستخباراتي الشامل بين بكين وطهران، وأيضاً تناولت أمر زيادة وتطوير التدريبات العسكرية.

لكن النقطة الأهم، كانت بخصوص التعاون فس تطوير الأسلحة، ومن المفترض أن يُرفع حظر على شراء الأسلحة عن إيران في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من العام الجاري، كان مجلس الأمن الدولي قد فرضه على طهران، وتحاول الولايات المتحدة منذ شهورٍ، تعطيل قرار رفع الحظر.

وتقدم الاتفاقية أيضاً، منح الصين استثمارات طويلة الأمد بمجال الحديد والصلب، والبتروكيماويات، وبناء مدن صناعية كاملة في بعض المقاطعات الإيرانية، بجانب بناء مدن ذكية، وتطوير القطاع السياحي، وضمن ذلك ترميم المزارات السياحية الإيرانية.

كما تؤمِّن الاتفاقية عملية التبادل الثقافي بين البلدين، بإنشاء مراكز لتعليم اللغة الفارسية في بكين، وبترتيب عمليات التبالدل الطلابي وتنويع الثقافة بين الأجيال.

الاتفاقية جزء من طريق الحرير

كان المسؤولون الإيرانيون يرفضون أن تكون إيران جزءاً من مشروع طريق الحرير الجديد الذي أعلنته الصين قبل سنوات، وهو خطة لإنشاء شبكة مترابطة من الطرق المائية والبرية لربط آسيا وإفريقيا وأوروبا.

لكن الموقف الإيراني اختلف بعد حملة الضغط التى تبنَّتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وموقف أوروبا من الاتفاق النووي مع إيران.

ويقول المحلل السياسي الإيراني المحسوب على المعسكر الإصلاحي، شهيد ثابتي، لـ”عربي بوست”: “الاتفاقية ستوفر لإيران مليارات الدولارات من الاستثمار في البنية التحتية المتهالكة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران، لذلك حتى وإن كانت الاتفاقية جزءاً من مشروع الصين الجديد، لا يوجد أمام إيران خيار للرفض”.

ويخشى البعض في الداخل الإيراني من أن ينتج عن هذه الاتفاقية سيطرة وتوغل الصين بالبلاد، في حين يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن الاتفاقية قائمة على الاحترام المتبادل بين البلدين، والتعامل على أساس أن الصين وإيران قوتان كبيرتان في آسيا.

كما أن الاتفاقية تنص على ضرورة حماية الاستثمارات الصينية من تدخُّل أي بلد ثالث، بالإشارة إلى الولايات المتحدة، التي يخشى المسؤولون الإيرانيون أن تقف عقبة في طريق تصدير النفط للصين.

هل يوافق البرلمان الإيراني؟

وقتما انتقد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الاتفاقية ووصفها بالسرية، صرح المتحدث باسم الخارجية الايرانية السيد عباس موسوي، قائلاً: “لا توجد أية سرية في الأمر، ولا بد من عرض الاتفاقية على البرلمان”.

وينص الدستور الإيراني على ضرورة تصديق البرلمان على المعاهدات والاتفاقيات الدولية كافة.

في حين دافع المستشار الاقتصادي للزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، عن الاتفاقية، وصرح المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، عباس كدخدائي، قائلاً: “أعتقد أن مبدأ اتفاق إيران والصين لمدة 25 عاماً، جيد، ويجب أن ندعمه، وموقف الأعداء يُظهر أن الجمهورية الإسلامية تسير على الطريق الصحيح”.

ويرى المحلل السياسي شهيد ثابتي، أنه بدعم المستشار الاقتصادي لآية الله علي خامنئي، ودعم مجلس صيانة الدستور، فإن البرلمان قد أخذ الضوء الأخضر للموافقة على تلك الاتفاقية.

بداية الاتفاق لقاء خامنئي والرئيس الصيني

بدأت قصة الاتفاقية منذ عام 2016، بعد إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة والمعروفة باسم الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية، في يناير/كانون الثاني 2016، زار الرئيس الصيني الجمهورية الإيرانية، لبحث سبل التعاون بين البلدين في ظل الصفقة النووية.

خلال زيارته لطهران، اجتمع الرئيس الصيني مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، ومن هذا الاجتماع تشكلت أسس تلك الاتفاقية التي شارفت دخولها حيز التنفيذ.

حينها رحَّب آية الله علي خامنئي بوجود اتفاقية تعاون استراتيجي شاملة بين الصين وإيران، قائلاً: “إن الجمهورية الإسلامية لم ولن تنسى وقوف الصين بجانبها وقت العقوبات الاقتصادية”.

ظريف يتفاوض على الصيغة النهائية

في الشهر الماضي، أرسل وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مسودة الاتفاقية إلى المسؤولين الصينين؛ لمناقشتها، ومن ثم أعادتها الحكومة الصينية إلى نظيرتها الإيرانية مع تدوين المقترحات والملاحظات، التي تم التفاوض عليها في إيران خلال الأيام القليلة الماضية، حسبما قال مصدر بوزارة الخارجية الإيرانية، لـ”عربي بوست”.

يقول المصدر الذي رفض ذكر اسمه، إن “المسودة المكونة من 18 صفحة والتي تم تسريبها إلى وسائل الإعلام، ليست نهائية، ما زالت المناقشة مستمرة، وهذه المسودة ليست بالصيغة النهائية”.

المصدر: عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

English